الثورة العربية والنظام السياسي العربي القادم

هذا المقال أثاره في نفسي تساؤل للشاعر الشاب حمدان الهاجري بعد تغريدات لي على حسابي في التويتر حول الثورة العربية والنظام السياسي العربي والخطاب السياسي النبوي الراشدي وتساؤله حول المحرك الأساسي للثورة العربية هل هو الدين؟ أم الظلم والاستبداد؟ أم الفقر ونهب الثروات؟ أم التخلف والتشرذم والضعف؟ أم الوجود الأجنبي وانتقاصه للسيادة والاستقلال؟ أم كل هذه العوامل وهو الأقرب للحقائق التاريخية والموضوعية لمجريات أحداث المنطقة العربية منذ سقوط الخلافة ووقوعها تحت الهيمنة البريطانية والفرنسية السابقة وامتدادها بالهيمنة الأمريكية الحالية.
ولكن بعد قيام الثورة لم يعد السؤال الأهم حول ما هو المحرك الأساسي لها على أهميته وإنما السؤال الأهم هو أي خطاب سياسي يستطيع أن يحقق أهداف ثورة الأمة في الحرية والاستقلال والكرامة والوحدة والتنمية؟

لم تحدث الثورة العربية زلزالا عظيما فقط في أركان النظام السياسي العربي الذي أرست قواعده اتفاقية سايكس بيكو وغيرها من الاتفاقيات وإنما أيضا في الفكر والثقافة السائدة لدى الأفراد والجماعات التي رسخها الواقع السياسي بما يعزز شرعيته واستمراره حتى وصل الحال لبعضهم إلي القول قبل عشرة أشهر من بداية الثورة ( ليس بالإمكان إلا ما كان, وليس لها من دون الله كاشفة ) فبدأت الثورة من بلده ومعها بدأ انهيار المنظومة السياسية والفكرية والثقافية المتخلفة.

فعلى مدى قرنين من الزمان قامت أنظمة الحكم الوظيفية بدعم غربي بإدخال الأمة في آتون الخطابات السياسية وأفكارها المستوردة فبدأت بالليبرالية منذ عودة مخرجات البعثات العلمية من أوربا وتعيينهم في مفاصل الحكم في النظام السياسي العربي ولا زالوا, مرورا بوصول أحزاب اشتراكية وشيوعية إلي سدة الحكم في بعض الدول باسم الحرية والاستقلال والمقاومة انتهت بالحرب على الشعب كحال نظام الأسد, أو بوصول أحزاب إسلامية للحكم تطرح نموذجا سياسيا إسلاميا مشوها ليس له علاقة بالخطاب السياسي في الإسلام إلا بالاسم كما في السودان والذي انتهى بالاستبداد والحروب الأهلية وتقسيم الدولة باسم الشريعة الإسلامية.

كل هذه التجارب التاريخية أكدت أن قدر هذه الأمة ونهوضها وريادتها مرتبط بالإسلام وخطابه السياسي المنزل, فكل الخطابات السياسية الجاهلية والتي حكمت شعوب الأمة لم تستطع رد عدو ولم تقم عدل أو تعزز حرية أو تؤسس تنمية أو توحد شعوبا أو توزع ثروة, فعجزت جاهلية العصر في تحقيق ما حققه النظام السياسي الإسلامي للأمة على مدى قرون من تاريخها العريق.

إن الثورة العربية أحدثت فرصة تاريخية للأمة لبعث الخطاب السياسي النبوي الراشدي والذي هو أحوج ما تحتاج إليه الأمة لإنجاح ثورتها وتحقيق أهدافها والرجوع لدينها والخروج من الذل الذي هي فيه وهوانها على الأمم كما أخبر بذلك المصطفي صلى الله عليه وسلم”إذا تبايعتم بالعينة،ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، سلط الله عليكم ذُلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم”فبعث الخطاب السياسي النبوي الراشدي والذي هو أصل من أصول الإسلام هو عودة للدين الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم.

النظام السياسي العربي القادم ظهرت ملامحه باختيار الشعوب التي تحررت من الظلم والاستبداد للأحزاب الإسلامية فأظهرت الشعوب عندما أصبحت حرة في اختيارها أنها تريد الإسلام ومن يحمله, مما يوجب على الأحزاب والحركات السياسية الإسلامية ضرورة أن تتبنى في أطروحاتها وبرامجها السياسية أصول الخطاب السياسي النبوي الراشدي والعمل مع الأمة على بعثه والعمل به لما فيه من الهدايات الربانية والسنن النبوية والراشدية ما إن تعمل بها الأمة ترشد ثورتها وتحقق طموحاتها, لذا أصبح من الضرورة بمكان معرفة الملامح السياسية لهذا الخطاب والتي يمكن إجمالها بما يلي:

أولا: الإسلام دين ودولة وهو ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم ببيعة العقبة وهجرته لإقامة الدين والدولة , وللدولة في الإسلام أربعة أركان: الأرض, والأمة, والسلطة, والنظام الذي تحكم السلطة به الأمة لقوله تعالى{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}

ثانيا: وجوب إقامة الخلافة والسلطة التي تقوم بإدارة الدولةكنظام يعبر عن طبيعة الخطاب السياسي الإسلاميولهذا بادر الصحابة رضوان الله عليهم لحسم موضوع الخلافة والسلطة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: ضرورة الشورى والتي هي حق الأمة في اختيار الإمامة والسلطة قال الله تعالى}وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ{وقال تعالى}وَشَاوِرْهُمْفِي الأَمْرِ{وهو ما رسخه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده في إدارتهم لشأن الدولة فكانوا لا يقطعون أمرا إلا بمشورة الأمة وموافقتها.

رابعا: الأمة هي مصدر السلطة وتختار من تشاء بكامل حريتها ورضاها قال الله تعالى}لاَ إِكْرَاهَفِي ?لدِّينِ{وهذا ما أكده الصحابة رضوان الله عليهم في طريقة اختيارهم لمن يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في الإمامة والسلطة وهو ما أكده عمر الفاروق رضي الله عنه بقوله ( الإمارة شورى ) وبينها بجلاء علي رضي الله عنه في خطبة له (يا أيها الناس إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم)

خامسا: الحرية السياسية مبدأ من مبادئ الخطاب السياسي في الإسلام وحق للأمة في نقد الإمامة والسلطة وتقويمها ومواجهة ظلمها وتعسفها سواء قام به أفرادا أو أحزابا أوجماعات وهو ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم به بقوله ( من رأى منكم منكرا فليغيره…) ,كما تجلت الحرية السياسية في سيرته وتعامله صلى الله عليه وسلم مع المنافقين وكيدهم لإسقاط الدولة الإسلامية وطرد النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة فرفض قتلهم وقال عليه الصلاة والسلام ( لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ).

سادسا: وجوب استقلال القضاء وعدالته كما قال تعالى}وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ{.

سابعا: وجوب تحقيق العدالة الاجتماعية بالتوزيع العادل للثروة كماقال تعالى}كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ{وحفظ الحقوق المالية للأمة وحماية المال العام وصرفه بمقتضى العدل والمساواة حتى رسخ الفاروق مبدأه الشهير : من أين لك هذا؟.

ثامنا: وجوب حماية حقوق الإنسان والحريات العامة للإفراد والجماعات ورعاية حقوق الأقليات خاصة حق الإنسان في الحياة الكريمة ورفض التعذيب وانتهاك كرامته حتى وصل الأمر إلى رفض معاقبة من هم بالقتل كما حدث مع الخليفة الراشد عثمان ذو النورين عندما أراد رجل قتله فاستشار الصحابة به فقالوا ( بئسما صنع ولم يقتلك ولو قتلك قتل ) فأرسله عثمان فما ضربه سوطا ولا حبسه يوما.

تاسعا: حماية الدولة من الأخطار الخارجية بفرض الجهاد في سبيل الله , وحماية الدين والدولة والأمة من الأخطار الداخلية التي تهدد وحدتها السياسية والتشريعية كما فعل ابوبكر الصديق في حروب الردة.

هذه الملامح العظيمة للخطاب السياسي النبوي الراشدي هي التي تخلت عنها الأمة بأحزابها وجماعاتها السياسية والفكرية والدعوية فأصبحت عرضة للتسلط الخارجي والاستبداد الداخلي حتى وقعت في براثن الظلم والتخلف ونهب الثروات وقتل وسجن وتعذيب المعارضين من العلماء والمصلحين ,حتى وصل الحال بها إلي تداعى شذاذ الأفاق ولصوصها من بلدان لم تسمع بها من قبل على بلدان الأمة وثرواتها كما تتداعى الأكلة على قصعتها.

فتهيأت حينها الأمة للثورة على هذا كله وقد بدأت بالفعل وأدركت بأنها مثلما تعرضت لحملة صليبية كبرى أسقطت استقلالها وسيادتها وخلافتها كنظام سياسي يحكم الأمة منذ عهد النبوة فإنها تحتاج إلي ثورة جهادية كبرى تعيد للأمة حريتها واستقلالها وسيادتها ووحدتها ونظامها السياسي القائم على الخطاب السياسي النبوي الراشدي لترجع إلي مجدها وعزها بين الأمم وهذا لا يتأتى إلا كما قال الأمام مالك رحمه في مقولته المشهورة عند مواجهته للاستبداد ( لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)

التعليقات مغلقة.

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: