من الإرهاب إلى التطبيع …. نهاية الثورة المضادة ودور إسرائيل القادم

من الإرهاب إلى التطبيع …. نهاية الثورة المضادة ودور إسرائيل القادم


منذ قيام إسرائيل عام 1948م وهي تقوم بالدور المحدد لها من قبل رعاتها الغربيين (أمريكا وأوربا) كدولة وظيفية ترعى المصالح الغربية الإمبريالية في المنطقة العربية، وهو امتداد للدور الوظيفي التاريخي الذي قام به أسلافهمفي أوربا كوكلاءلمصالح ملوك وأمراء الإقطاع في أوربا في القرون الوسطى، على حد وصف عبدالوهاب المسيري رحمه الله للدور الوظيفي التاريخي لإسرائيل في موسوعته الضخمة حول اليهود واليهودية والصهيونية، وفهم هذه الحقيقة التاريخية في غاية الأهمية لمعرفة دور إسرائيل الجديد في مواجهة الربيع العربي بعد فشل الثورة المضادة.

بدأ الربيع العربي عام 2010م وأدركت حينها أمريكا والقوى الكبرى أن مرحلة كامب ديفيد قد انتهت وأن المشهد العربي دخل طورا جديدا، وشكلت القوى الكبرى وبقيادة أمريكيةغرفة عمليات دولية مشتركة لمواجهة الربيع العربي والتهيئة لمرحلة جديدة للمشهد، فاطلقت الثورة المضادة مع الانقلاب العسكري في مصر يوليو 2013م لتنتقل لكافة ساحات الربيع العربي لمنع النظام العربي المتهاوي من السقوط، وتم الحرص على ابعاد إسرائيل عن واجهة الأحداث في مرحلة الثورة المضادة لتضفي الشرعية والشعبية على برنامج الثورة المضادة باسم ثورة الربيع العربي نفسه، وهو لن يتحقق بظهور إسرائيل في المشهد…

إذا فما الذي استجد في المشهد العربي لتظهر إسرائيل بشكل واضح بعد القمة الأمريكية العربية في الرياض؟

 بعد فشل الانقلاب العسكري (وبرعاية أمريكية) في تركيا يوليو 2016م، والذي عد حجر الاساس لنجاح خطة الثورة المضادة بضرب الدول الداعمة للربيع العربي، لحظتها بدأت تظهر علامات تراجع الثورة المضادة واصطدامها بجدار الربيع العربي المقاوم، وأصبحت أمريكا بإدارة أوباما في حالة عجز وفشل في وقف تداعيات انهيار الثورة المضادة على المشهد العربي والتركي ككل.

ومع قدوم إدارة ترمب الجديدة  التي أدركت على الفور مدى خطورة انهيار الثورة المضادة ونهوض الربيع العربي من جديد على الوجود والنفوذ الأمريكي في المنطقة العربية، فبدأت بالعمل على وقف هذا الانهيار وهو ما صرح به ترمب في أول اجتماع لحكومته بأنه يجب قطع رأس وحش الإرهاب، وهو الشعار المستخدم اليوم لمواجهة الربيع العربي.

وهنا بالتحديد جاء الدور الوظيفي التاريخي لإسرائيل الذي من أجله قامت وأنشئت، ولفتح الطريق أمام إسرائيل، تم الاتفاق بين إدارة ترمب وقوى الثورة المضادة منذ بداية 2017م على عقد قمة شبيهة بقمة كامب ديفيد 1978م وقمة مدريد 1991م، فكانت القمة الأمريكية العربية في الرياض 2017م والتي أعلن فيها ترمب أن المقاومة إرهاب سواء الربيع العربي أو المقاومة الفلسطينية، لينتقل بعدها ترمب ليعلن من إسرائيل نتائج القمة ويبشر بالدور الإسرائيلي المنقذ في المشهد القادم للمنطقة العربية..

فما هو طبيعة الدور الإسرائيلي المنقذوالمبشر به في المرحلة القادمة؟

حصار قطر وعزلها هو ساعة الصفر لبدء المرحلة الجديدة للمشهد العربي، وهو ما يمكن تسميته بمرحلة (ما بعد نهاية الربيع العربي)، هذه المرحلة الجديدة هي محاولة لتجاوز فشل الثورة المضادة ونهايتها، وهذا يحتاج إلى قوة جديدة دافعة، بعد استنزاف الربيع العربي للثورة المضادة، وهنا يأتي دور إسرائيل بكل طاقتها وإمكانياتها وخلفها الدعم الأمريكي والدولي لتعطي المرحلة الجديدة القادمة روح قادرة على انهاء الربيع العربي وتشكيل المشهد العربي من جديد، تكون إسرائيل فيه قلبه النابض وبرعاية أمريكية، كما كانت في مرحلة كامب ديفيد وأوسلو ليستمر الدور والمشهد كما هو وبوجه تبشيري جديد تحت شعار السلام والتطبيع والانفتاح…

من هنا جاءت دعوات السلام والتطبيع لفتح الطريق أمام إسرائيل، لتنفيذ سياسة ترمب لمرحلة ما بعد نهاية الربيع العربي، وإلا فدعوى التطبيع شماعة لا أكثر،  كشماعة محاربة الإرهاب تماما، أي جزرة التطبيع بعد الانتهاء من عصا الإرهاب…

هذه حقيقة الدور الإسرائيلي القادم، وهو ما رأيناه على محيا نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل عندما بشره ترمب بالدور القادم لإسرائيل فقام مصفقا وكاد يبكي ويحتضنه من شدة الفرح كأنه لم يصدق ما سمع من نتائج تحققت في قمة عقدت لساعات حيث أدرك حينها نتنياهو أنه لا زال لإسرائيل أهمية في قلب السياسة الأمريكية في المنطقة بعد أن يأس من سنوات أوباما الوهمية.

وهذا الدور الجديد لإسرائيل لا يمكن له أن يكون فاعلا في ظل وجود مقاومة في فلسطين نفسها، وهنا جاء الدور المصري في احتواء حركة حماس في غزة ، بعد تفاهم ترمب وقوى الثورة المضادة مع حكومة عباس في الضفة الغربية وقبولها بالمرحلة الجديدة القادمة، جاء تشديد مصر الحصار على غزة لدفع حركة حماس بالقبول بالتسويات القادمة، بعد اخراج تركيا وقطر من التأثير في المشهد السياسي العربي بالانقلاب والصراع الداخلي في تركيا، وبحصارقطر واحتوائها، وفعلا  تمت لقاءات رسمية بين حركة حماس ومصر في القاهرة جاء بعدها تخفيف الحصار على غزة جزئيا كجزء من تفاهمات تم الاتفاق عليها ضمن اطار الترتيبات الأمريكية لمرحلة ما بعد نهاية الربيع العربي.

وتم تهيئة الأرضية السياسية والعسكرية وارتقب الجميع لتبدأ المرحلة الجديدة لما بعد نهاية الربيع العربي، وانطلقت الحملة الإعلامية الجبارة لخلق واقع جديد ينطلق من باب التطبيع والسلام لتدخل إسرائيل بشكل مباشر في المشهد العربي لإنقاذ النظام العربي بعد فشل الثورة المضادة…..

ليتفاجأ الجميع من عرابي المرحلة الجديدة وأطرافها ومن راهن عليها واستسلم لها وبكل تفاهماتها وترتيباتها، بأن لحظة الانطلاق للمرحلة الجديدة فشلت في تحقيق هدفها من حصار قطر ولم تتجاوزها وغرقت في رمال الرفض الشعبي الخليجي والعربي للحصار،الأمر الذي الذي أعطى قطر وتركيا القوة الشعبية والسياسية للمواجهة والصمود، واستطاعت قطر احتواء الصدمة الأولى وخرجت تركيا من ترددها التاريخي وأقدمت بقوة ودفعت بثقلها السياسي والعسكري خلف قطرلمواجهة حصارهاوعزلها واحتوائها…

لم يدرك الجميع بلا استثناء أن الربيع العربي ليس ربيعا فقط إنما هو ثورة أمة، وليس مرحلة تطوى بترتيبات وتفاهمات كمرحلة كامب ديفيد ومدريد وأوسلو، فجاءت كافة قراءاتهم السياسية الخاطئة مناقضة تماما لواقع عربي عميق وجديد تشكل بعد الثورة ولن يعود كما كان بترتيبات هنا وهناك، فالثورة المضادة فشلت وانتهت ولن تجدي ترتيبات ترمب وصهره الغر الشاب في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ولن تستطيع أمريكا وإسرائيل إنقاذ النظام العربي لا بالتطبيع والسلام ولا بالحرب والإرهاب…

فالعالم العربي يشهد مرحلة تحرر وانعتاق جديدة وليست ثورة على أنظمة فقط، وهذا ما يجب أن يدركه الجميع وعلى رأسهم قوى الثورة والمقاومة ولا يكونوا أسرى أحداث اللحظة فيقعون في شبكة ترتيبات العدو، وليس كل ما ترتبه أمريكا والقوى الدولية مجزوم بحدوثه، فالأمة وشعوبها دخلت ساحة معركة التحرير والمقاومة ولم تعد تقتصر على حركات جهادية وفصائل مقاومة، وحققت الأمة بثورتها بسنوات معدودة ما لم يحققه غيرها بعقود مديدة، وهو ما يوجب على كافة قوى الأمة من علماء ومجاهدين وقادة مقاومة ودعاة وسياسيين أن يكون على مستوى هذه الثورة التاريخية ويحرصوا على وحدة الصف ‏﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ والالتفاف حول الأمة وثورتها، وليحذروا لما يحاك لهم في دهاليز غرفة العمليات الدولية المشتركة وقصور الثورة المضادة ‏﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾

وعلينا أن ندرك جميعاأن الثورة المضادة، وخاصة بعد فشل الانقلاب في تركيا وحصار قطر، بأنها قد فشلت وانتهت ووصلت لطريق مسدود ولن يجدي معها نفعا مشروع ترمب الجديد ولا دخول إسرائيل على خط المواجهة ولا عقد التحالفات العسكرية المشبوهة ولا توظيف المشروع الصفوي وميليشياته الطائفية في انقاذ الاستبداد العربي وثورته المضادة، وعليه فالأهم في هذه المرحلة التمسك بثوابت ثورة  الأمة وعدم التفريط بها متأثرين بقرع طبول الحرب والإرهاب ومطامع التطبيع والسلام ولا نغتر بعلو صوت محور الشر الأمريكي الإسرائيلي العربي فإنه لا يعد حلفاءه وأولياءه إلا الأوهام والغرور والطغيان ‏﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ  وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾

 

فالأمة بثورتها العظيمة قد مضت في طريقها نحو التحرر والاستقلال من الاحتلال الأجنبي والاستبداد الداخلي ولن تتراجع ولن تلتفت للمؤامرات والتفاهمات والتراجعات، ومن لم يدرك هذا فليعلم أن سنن الله تعالى لا تحابي أحدا…

﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ﴾

30/6/2017م

التعليقات مغلقة.

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: