الاحتواء والتوظيف الجماعات في الخليج نموذجا

الاحتواء والتوظيف…..الجماعات في الخليج نموذجا

في عام 1957 موج الرئيس الأمريكي أيزنهاور للكونغرس رسالة خاصة حول الوضع في الشرق الأوسط وهي ما عرفت بعد ذلك (بمبدأ أيزنهاور) والذي تتعهد أمريكا فيه بحماية أنظمة دول الشرق الأوسط من الأخطار الخارجية (النفوذ السوفيتي الشيوعي) والداخلية (القوى والجماعات) في ظل تراجع النفوذ البريطاني والفرنسي في المنطقة العربية…

فالمنطقة العربية بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت منطقة صراع استعماري بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي وتركز الصراع حول مصادر الطاقة والبترول في الخليج والجزيرة العربية والمغرب العربي في ليبيا والجزائر وطرق التجارة الدولية كقناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز، فالسيطرة على هذه المنطقة هي سيطرة وتحكم بالتجارة العالمية والسياسة الدولية….

ولتنفيذ مبدأ ايزنهاور اعتمدت أمريكا سياسة الاحتواء والتوظيفللأنظمة العربية والقوى والجماعات في المشهد السياسي العربي ، حيث أدركت أمريكا أن قوى المجتمع وخاصة المحافظة في غاية الخطورة على نفوذها، وهذا ما جعلها تتبنى هذه السياسة منذ أن قررت الدخول للمنطقة العربية لترث بريطانيا وفرنسا….

وعمدت أمريكا إلى استخدام كافة أدواتها لتنفيذ سياسة الاحتواء والتوظيف للقوى والجماعات في المشهد العربي وكان من أهم أدواتها البعثات للجامعات الأمريكية والمؤسسات العلمية (كالجامعة الأمريكية) والمراكز البحثية والشركات النفطية والتجارية والاقتصادية، فبدأت بالتنسيق مع الأنظمة العربية الوظيفية لفتح المجال للقوى والجماعات للعمل في البلدان،وكل بلد بحسب الخطر الداخلي الذي يواجهه داخل المجتمع نفسه…

بدأتأمريكا،  وبالتعاون مع دول الخليج العربي، بمواجهة التيارالشيوعي اليساري في العالم العربي، حيث استضافة دول الخليج علماء ودعاة الجماعات المهجرين من الدول العربية التي سيطر عليها التيار الناصري اليساري،  وقدمت لهم الدعم الكامل وحرية العمل العلمي والدعوي، لمواجهة التيارالشيوعي اليساري على مستوى الساحة الفكرية والدعوية، ولضمان ضبط حركة هذه الجماعات ضمن المنظومة الرسمية، وامتد دور دول الخليجفي رعاية ودعم الجماعات إلى أمريكا نفسها وأوربا وكثير من بلدان العالم من خلال الروابط والمراكز العلمية والدعوية إلى اليوم….

وفي الخليج العربي نفسه واجهت أمريكا ودول الخليج التيار القومي واليساري والذي انتشر بين العاملين في القطاع النفطي تحديدا، وهنا تدخلت الأداة الأمريكية الأهم في الخليج وهي شركة أرامكو (وكانت في حينها مملوكة لأمريكا) فقام قسم العلاقات الحكومي في الشركة بدعم الجماعات في منطقة الخليج لمواجهة هذا الخطر على مصالحها، ففتح المجال الدعوي والاجتماعي للجماعات في الخليج العربي..

واستمرت هذه السياسة والتي نجحت في الحد من نفوذ التيارات القومية واليسارية في الخليج العربي منذ الخمسينات إلى نهاية السبعينات عندما وصلت العلاقة بين الجماعات والانظمة الخليجية إلى أوج تعاونها بعد أن تراجع التيار القومي واليساري في العالم العربي ككل مع هزيمة حرب 1967م، ومرحلة كامب ديفيد عام 1978م…..

ومع بداية مرحلة كامب ديفيد تم تطوير العلاقة بين الأنظمة الخليجية والجماعات لتدخل العمل المؤسسي المنظم، فقامت حكومات الخليج وبإشراف ورعاية أمريكية بإنشاء البنوك الإسلامية والجمعيات الخيرية والهيئات العلمية والدعوية والمراكز في الخارج بالإضافة إلى فتح الطريق أمامها نحو الاتحادات الطلابية في الجامعات والمعاهد العلمية لإعطاء الجماعات القوة المؤسسية لتصبح أكثر فاعلية وتأثير في المجتمع…

هذه المنظومة المؤسسية المتكاملة التي انشئت لاحتواء الجماعات وتوظيفها هدفت إلى ايجاد قوة اجتماعية محافظة تتوافق تماما مع هوية المجتمع الخليجي ودينه لضبط حركة الشارع الخليجي، وليس لها ارتباط خارجي كالقوى القومية والشيوعية، وذلك وفق السياسات المرسومة من قبل الأنظمة الخليجية بما يحقق السيطرة على منطقة الخليج وهو الهدف الأساسي لسياسة أمريكا في الخليج العربي لضمان المحافظة على مصالحها الاستراتيجية واستمرار نفوذها…

وطوال عقود مرحلة كامب ديفيد منذ عام 1978م إلى بداية الربيع العربي عام 2010م حققت سياسة الاحتواء والتوظيف للجماعات هدفها، وأصبحت هذه الجماعات جزءً من المنظومة العربية الرسمية في أداءها السياسي والاجتماعي وفق القواعد المرسومة، ولهذا نلاحظ المراوحة السياسية في الاداء والمواقف ولا تكاد تجد فيها تطورا أو تقدما، حتى وصلت في أداءها إلى مرحلة من التماهي مع الموقف الرسمي للأنظمة، في الوقت الذي تجد هذه الجماعات تطرح شعارات تحمل معاني المعارضة السياسية لكنها ضمن الاطار المتعارف عليه في كل دولة من دول الخليج….

وفي دول الخليج التي تفتقد للعمل السياسي المنظم فقد تم التركيز على العمل الخيري والعلمي والدعوي والاقتصادي، وفتح المجال بشكل واسع للدعوة والعلم الشرعي في الجامعات والمراكز في الخارج والهيئات الإسلامية وفتح باب الهجرة للعلماء والدعاة للعمل والدعوة من كافة التوجهات…

وفي عام 1990م مع دخول القوات الأمريكية، والذي أحدث هزة في الخليج، بشكل مباشر لمواجهة الغزو العراقي للكويت، ظهرت دعوات للإصلاح وتم احتوائها على عجل سواء من خلال فتح المجال للعمل البرلماني، أو من خلال اسلوب تقديم العرائض والمذكرات الإصلاحية واللجان الشرعية، لكن في النهاية نجحت الحكومات الخليجية في الاستفادة من المنظومة المؤسسية للجماعات في احتواء هذا الحراك وضبطه، أو اعتقال وسجن ومحاكمة من خرجوا عن هذه المنظومة…..

واستمرت هذه المنظومة المؤسسية للجماعات في أداء وظيفتها ومحاصرة كل فكر ثوري أو تغييري، حتى جاء عام 2010م عندما انطلق الربيع العربي حينها حدثت هزة كبرى في المنظومة العربية الوظيفية، وأصبحت الجماعات أمام مفترق طرق تاريخي بين تاريخها ومنظومتها المؤسسية المرتبطة بالنظام العربي الرسمي، وبين شعوب الأمة التي بدأ قطار ربيعها العربي يتقدم نحو الحرية….

ففي الخليج العربي ظهر أثر القيود المؤسسية للجماعات والتفاهمات التاريخية مع الأنظمة على اداءها وموقفها من الربيع العربي ، وهو ما استفادت منه حكومات الخليج في مواجهة الربيع العربي ودعم الثورة المضادة…

فمع بداية الربيع العربي ونجاح موجته الأولى اتبعت دول الخليج سياسة الانفتاح على شعوب الربيع العربي ودعم تطلعاتها، والهدف هنا الاحتواء، ولعبت الجماعات ومنظومتها المؤسسية الدور الأساسي في التسويق لهذا الموقف الخليجي الرسمي عند شعوب الربيع العربي سواء من خلال المؤسسات والجمعيات الخيرية والإغاثية أو الجماعات والأحزاب السياسية في بلدان الربيع العربي أو من خلال العلماء والدعاة..

لم تكن أدبيات الجماعات ولا منظومتها المؤسسية وتفاهماتها الرسمية تتيح لها أن تتبني ما تتطلع إليه الشعوب من حرية وإصلاح جذري خارج أطر المنظومة العربية الرسمية، وهنا بالتحديد واجهت الجماعات أزمة حقيقة في داخل منظومتها البنيوية والفكرية، فثورة الربيع العربي لم تكن ثورة على أنظمة سياسية مستبدة بل هي أيضا ثورة على الواقع ككل بما فيه واقع الجماعات وأفكارها نفسها، فتصدرت الجماعات المشهد الثوري، أو بالأدق اتيح لها التصدر لملء الفراغ السياسي إلى حين ترتيبه دوليا وإقليميا، ولم تكن الجماعات متأهلة لا على المستوى الشرعي والفكري ولا على المستوى البنيوي السياسي، وكان النظام الدولي والعربي يراقب ويدرك هذه الحقائق وينتظر قطف ثمارها وهو ما حصل….

وعجزت الجماعات أن تدرك عمق الثورة العربية وطبيعتها وتعاملت معها وفق أدائها الوظيفي المعتاد وبهدف المحافظة على ما تحقق لها طوال العقود الماضية من مكانة ونفوذ في المجتمعات، وهذا الأداء للجماعات في التعامل مع ثورة الربيع العربي، والذي صب لاحقا في مصلحة الثورة المضادة ، انعكس بشكل كبير على الجماعات نفسها من الداخل ….

فبعد الثورة المضادة حدثت صدمة كبرى داخل الجماعات سواء على المستوى الشرعي والفكري أو على المستوى المؤسسي السياسي، فالثورة العربية كشفت الترابط العضوي بين منظومة الجماعات والمنظومة العربية الرسمية وهو ما سيكون له تداعيات الخطيرة على استمرار وبقاء الجماعات نفسها كمؤسسات وأفراد…..

واليوم جاء الحصار الظالم للشعب القطري ليكشف تماما ما وصلت إليه الجماعات من مرحلة لم تعد فيه تعبر عن وجدان الجماهير العربية المسلمة الرافضة للحصار، فقد تفاجأ الجميع بموقف الجماعات من حصار قطر، وهي المتهمة بدعم هذه الجماعات نفسها، ما بين موقف صامت لم يدافع عن الشعب القطري المحاصر وبين موقف معلن رسمي لا يكاد يختلف عن أي بيان لنظام عربي رسمي ساوى بين الضحية والجلاد، لتتفاجأ الجماعات نفسها بصمود قطر وفشل المؤامرة، لتقع الجماعات مرة أخرى ضحية قراءتها الخاطئة للأحداث وعجزها عن فهم سنن الله الكونية والقدرية في شؤون خلقه بعد ان كانت قراءتها تؤكد فشل ثورة العربية وغرها تقدم الثورة المضادة فسارعت بالعودة لمنظومتها المؤسسية وبدأت تدعو للحوار والمصالحة مع الأنظمة العربية واعتبرت ما حدث في العالم العربي من ربيع وثورة إنما هي فوضى ودمار وحرائق يجب إطفائها ومؤامرة غربية يجب مواجهتاه وهي ذلك متوافقة مع ما تروجه وسائل إعلام النظام العربي والثورة المضادة…

ولكن بعد وصول مرحلة الثورة المضادة للنهاية والفشل، اسقط في يد الجماعات مرة أخرى

فهل تنهض الجماعات من جديد وتلحق بركب الأمة في ثورتها وربيعها؟ أم ستبقى أسيرة الاحتواء والتوظيف فيجري عليها ما يجري المنظومة العربية الرسمية؟وحينها يصدق عليها قول أحد أبنائها (لم تدخل الثورة الجماعات ولكن الجماعات دخلت الثورة)

﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾

1 / 7 / 2017 م

التعليقات مغلقة.

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: