العرب وتركيا التاريخ                  المشترك والربيع الواحد

العرب وتركيا….. التاريخ المشترك والربيع الواحد

تعيش الأمة أحداثا كبرى بعد ثورة الربيع العربي قلبت المنظومة الدولية والإقليمية السياسية التي تحكم المنطقة، وامتد زلزال ثورة الربيع العربي للمحيط الإقليمي ليغير من سياسات واستراتيجيات الدول الإقليمية الكبرى، وأولها تركيا التي تفاجأت بالربيع العربي الذي قلب سياسة تركيا اتجاه محيطها العربي من سياسة صفر مشاكل، لتجد نفسها بين شعوب تسعى للحرية والكرامة وأنظمة مستبدة محمية من الغرب الصليبي، لتكتشف تركيا بأنها لازالت أسيرة التاريخ والجغرافيا والهوية، وإذا هي أمام نفس المؤامرات التي تعرضت لها الخلافة العثمانية في أواخر عهدها، لتستيقظ على وقع الانقلاب الصليبي 15 تموز 2016م برعاية أمريكية وأوربية لمواجهة الربيع العربي من اسطنبول، ليذكرها بانقلاب 1908م على الخليفة عبدالحميد الثاني عندما أخبره قراصو اليهودي في اسطنبول نفسها بخلعه من الخلافة (موسوعة الصهيونية للمسيري)، ولو نجح الانقلاب لظهر قراصو من جديد، لترى تركيا أن قدرها مرتبط بألف عام من التاريخ المشترك مع الشرق العربي يظهر من جديد في اسطنبول لم تستطع محوه مائة عام من التغريب والعلمنة والحصار والتآمر الصليبي.

 فمنذ البشارة النبوية (لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأمِيرُ أمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ) والتي خص الله بها السلطان محمد الفاتح بفتح القسطنطينية عام 1453م، والمصير المشترك بين العرب والترك أصبح واقعا تاريخيا أمام الحملات الصليبية إلى يومنا هذا في عهد الربيع العربي، والذي أصبح ربيعا ًتركياً بعد انقلاب 15 تموز الصليبي. 

ففتح القسطنطينية هو امتداد لتاريخ الترك كشعب من أمة الإسلام لعبوا دورا أساسيا في مراحل تاريخية حاسمة في إعادة التوازن الاستراتيجي بين الأمة وأعدائها من الفرق الباطنية والصليبيين والصفويين لما يقارب ألف عام، إلى أن أسقطت الحملة البريطانية الفرنسية الصليبية الأخيرة الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى 1914-1918م ومعها سقطت مكة والمدينة والقدس واسطنبول ودمشق وبغداد.(الحملة الصليبية الأخيرة– توماس لويل) (سلام ما بعده سلام: ولادة الشرق الأوسط – ديفيد فرومكين)

فالتاريخ السياسي المشترك بين العرب والترك بدأ منذ عهد الخليفة العباسي المعتصم بالله عام 218هـ حينما استعان بالترك لانهاء خطر الشعوبيين الخراسانيين على الخلافة ونظامها من الداخل ويحميها من الانهيار الداخلي.

وفي القرن الخامس الهجري دخل السلاجقة الأتراك الساحة السياسية للخلافة العباسية التي تعرضت سلطتها لتهميش هائل بعد سيطرة الفرق الباطنية كبني بويه في العراق والقرامطة في وسط وشرق الجزيرة العربية واستباحتهم للحرم المكي ونهب الحجر الأسود، فدخول السلاجقة الأتراك أعاد التوازن والقوة للخلافة العباسية، بانهائه سلطة بني بويه الشيعية في عام 447هـ، وقضى على فتنة القرامطة الشيعة الباطنية في عام 470هـ على يد السلطان ملكشاه السلجوقي في معركة الخندق في الأحساء لتعود الجزيرة العربية تحت سلطة الخلافة العباسية من جديد، وهزم السلطان السلجوقي ألب أرسلان البيزنطيين الصليبيين في معركة ملاذكرت عام 463هـ والتي انهت التهديد البيزنطي الصليبي لبلاد الإسلام للابد ومهدت لدخول الترك لبلاد الأناضول لتصبح موطنهم التاريخي التي منها انطلقوا لفتح القسطنطينية.

ومع قيام الدولة العثمانية وفتح القسطنطينية، برز الدور السياسي للشعب التركي في تاريخ الأمة في إعادة التوازن الاستراتيجي للأمة وحمايتها من الأخطار من جديد، ففي بداية القرن 16م ظهر خطر التحالف البرتغالي الصليبي والشيعي الصفوي (اتفاقية هرمز 1515م) على الحرمين الشريفين والخليج والجزيرة العربية واحتلال العراق وتهديد الدولة العثمانية، وفي عام 1517 أرسلت البرتغال لحملة بحرية لاحتلال جدة بقيادة لوبو سواريز نائب الملك في الهند تمهيدا لاحتلال الحرمين(الغزو البرتغالي للجنوب والخليج العربي للفترة ما بين 1507-1523 محمد حميد سلمان)، وبالرغم من فشل الحملة فقد أدرك السلطان سليم الأول خطورة هذا التحالف الصليبي الصفوي، فغير من السياسة العثمانية وتوجه نحو الشرق العربي لإنقاذه من الخطر الصليبي والصفوي في ظل ضعف الدولة المملوكية وتآمرها مع الشاه الصفوي، فهزم الصفويين في معركة تشالديران ودخل عاصمتهم تبريز، ثم هزم المماليك في معركة مرج دابق ودخل الشام ومصر، وبهذا دخل العالم العربي طور سياسي جديد خاصة بعد تنازل آخر خليفة عباسي المتوكل على الله الثالث عام 1517م بالخلافة للسلطان العثماني سليم الأول ليصبح أول خليفة عثماني، ليتجه بعد ذلك ويحرر العراق من الاحتلال الصفوي، وبذلك وحدت الخلافة العثمانية العالم الإسلامي والعربي من جديد وحمته لأربعة قرون من خطر الحملات الصليبية والتآمر الصفوي (تاريخ الدولة العلية العثمانية – محمد فريد).

وبقيام الخلافة العثمانية أصبحت بلاد الحرمين الشريفين والخليج والجزيرة العربية تحت حمايتها، وأحبطت مخططات الصليبيين البرتغاليين والهولنديين والفرنسيين والصفويين في السيطرة على الخليج والجزيرة العربية وتهديد الحرمين الشريفين التي لم تتوقف، ففي عام 1623م احتل الشاه عباس الصفوي الكبير بغداد لمدة 15 سنة وحررها الخليفة مراد الرابع، وفي عام 1776م وبعد حصار دام ثلاثة عشر شهرًا احتل كريم خان الزندي البصرة، ليعيد التاريخ نفسه عام 2003م ليدخل الصفويون الجدد بغداد البصرة على ظهر دبابة الاحتلال الأمريكي الصليبي، وفي عام م1800 تجدد الخطر الصليبي بدخول بريطانيا لمنطقة الخليج والجزيرة العربية، وعاد الخطر الصليبي يهدد من جديد الحرمين الشريفين بشكل مباشر، مع عدم قدرة دعوة محمد بن عبدالوهاب والإمارات المحلية في التصدي لهذا الخطر الجديد، ودخول هذه الإمارات المحلية في صراع داخلي مما هدد أمن الحرمين الشريفين، كالصراع بين حاكم الدرعية وشريف مكة وبين القواسم وحاكم مسقط، حينها أدرك الخليفة محمود الثاني مدى خطورة هذا الصراع الداخلي والانقسام على أمن الحرمين الشريفين والخليج والجزيرة العربي فقرر انهاء الصراع وتوحيد السلطة والإدارة في الخليج والجزيرة العربية لمواجهة هذا الخطر البريطاني الصليبي، ونجحت خطته في حماية الحرمين الشريفين من الخطر البريطاني الصليبي لمدة قرن كامل حتى سقطت الدولة العثمانية ومعها سقطت مكة والمدينة والقدس في يد الحملة الصليبية الأخيرة (الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية: نجد والحجاز – نجدة فتحي صفوة).

ومنذ سقوط الحرمين الشريفين والقدس والعالمين العربي والإسلامي خاضع للنفوذ الغربي الصليبي، وانشئت أنظمة ملكية وراثية وجمهورية علمانية وظيفية، وحرصت الحملة الصليبية البريطانية الفرنسية على إقامة جدار عازل بين الشعب العربي والشعب التركي سياسي وقومي وجغرافي، فقسمت العالم العربي وجزأته، وفرضت على تركيا إلغاء الخلافة والعلمانية (شروط كرزون وزير خارجية بريطانيا)، ليصبح القرن العشرين قرن الظلام الصليبي على العالم العربي والإسلامي.

ومع قدوم عام 2002م بدأ التحول نحو الحرية والاستقلال يطرق أبواب تركيا باختيار الشعب التركي لحزب العدالة والتنمية ذي الهوية الإسلامية لتولي الحكم في تركيا، ومعه بدأت مسيرة التحرر والاستقلال حتى جاء الانقلاب الصليبي الفاشل عام 2016م والذي عده رئيس الوزراء التركي يلدريم حرب الاستقلال الثانية وشبه فرح الشعب التركي بفشل الانقلاب العسكري كالفرح بفتح القسطنطينية ( https://goo.gl/bVWs6U)

ودخل العالم العربي مرحلة التحول والتغيير التاريخي مع قيام ثورة الربيع العربي عام 2010م ، واستنفرت القوى الدولية الاستعمارية قواها، وبدأت المواجهة المباشرة بينها وبين الشعوب العربية التي قررت المضي قدما نحو التحرر والاستقلال، وأقامت أمريكا وأوربا وروسيا غرفة العمليات الدولية لمواجهة الثورة العربية ودعم وتنسيق الثورة المضادة التي انطلقت مع الانقلاب العسكري في مصر، والمبادرة الخليجية والدولية في اليمن التي مهدت لعودة نظام صالح وجماعة الحوثي، والمبادرة الدولية السياسية ودعم الجنرال حفتر في ليبيا، وحصار قطر التي دعمت الربيع العربي وساندت تطلعات الشعوب، وشكلت القوى الاستعمارية وبإدارة أمريكية التحالف الدولي والتحالف العربي لشن الحرب على الثورة في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، ونزلت القوات الروسية والأمريكية على أرض سوريا والعراق لدعم نظام الأسد البعثي ونظام بغداد الطائفي. (بين الانقلاب الناجح والفاشل – المنصف المرزوقي رئيس تونس بعد الثورة https://goo.gl/rEeAFf)

إن من أهم أهداف أمريكا وغرفة العمليات الدولية، بعد مرور 15 سنة على نهوض تركيا و6 سنوات على ثورة الربيع العربي، هو أن لا يلتقي الربيعان العربي والتركي وأن لا يسقط جدار العلمانية التركي والاستبداد العربي الذي أقامته الحملة الصليبية منذ قرن بعد سقوط الخلافة العثمانية حتى لا تعود الأمة وشعوبها لوحدتها وقوتها وتسقط كل ما بنته الحملة الصليبية الأخيرة، وهو ما أدركته القوى الصليبية اليوم بأن الأحداث الملحمية الكبرى التي تسطرها الأمة سائرة نحو انتهاء نفوذهم وسيطرتهم.

إن الوعي بطبيعة المعركة مع القوى الصليبية الدولية التي تسيطر على المنطقة وأدواتها الإقليمية والمحلية في كل بلد لهو من أهم طرق النجاح لأي حرب تحرير أو ثورة شعبية، فالحرب الصليبية الدولية التي تشن على شعوب ثورة الربيع العربي وعلى تركيا بالانقلاب العسكري والعمليات الإرهابية ومحاولة حصارها وعزلها سياسيا وجغرافيا عن عمقها العربي، جاءت بترتيب من غرفة عمليات دولية واحدة، مما يوجب على العرب وتركيا العمل لاستعادة مفهوم الأمة الواحدة والتاريخ المشترك، فربيعهم واحد وعدوهم واحد، وتجاوز كل العقبات السياسية والجغرافية والقومية التي غرستها القوى الصليبية بين شعوب الأمة لمواجهة الحملة الصليبية الجديدة، فالعرب وتركيا أمامهم فرصة تاريخية هيئها الله لهم ليتحرروا معا بعد مائة سنة من الاحتلال الصليبي، فقد آن الأوان للأمة لكي تجدد دينها بالتحرر والاستقلال من هذا الاحتلال…

( إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)…

 

24 شوال 1438ه 18 / 7 / 2017م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: