الانتخابات التركية…من القمة العربية إلى الحملة الصليبية

منذ عقد المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي برسي كوكس مؤتمر الكويت عام 1916م وحضره حكام المحميات البريطانية في الخليج وشيوخ العشائر وتعهدهم فيه بمساندة خروج الشريف حسين على الخلافة العثمانية الإسلامية (الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية المجلد 2 ص779) ولا زال الدور الوظيفي هو نفسه مستمرا للنظام العربي الذي شكلته الحملة البريطانية الفرنسية الصليبية لتحكم المنطقة وتديرها من خلاله.

إن وقوع العالم العربي تحت الاستعمار بالوقوف مع الحملة الصليبية ضد الخلافة العثمانية الإسلامية هو ما حذر منه العلماء والمفكرين آنذاك كالشيخ محمد رشيد رضا (مجلة المنار ج22 ص442) وشكيب أرسلان في بيان للأمة العربية عام 1913م والذي حذر فيه من الخونة المارقين في المؤتمر العربي في باريس بأنهم يكيدون للخلافة العثمانية الإسلامية ويمهدون الطريق لاستيلاء الأجانب عليها (كتاب شكيب أرسلان:الدور السياسي الخفي ص58 ظاهر الحسناوي) والشيخ محمد أمين الشنقيطي (تاريخ الكويت لعبدالعزيز الرشيد) وغيرهم كثير.

وبالرغم من وقوف حكام المحميات البريطانية في الخليج والجزيرة العربية والمحميات الفرنسية في المغرب العربي مع الحملة الصليبية على الخلافة العثمانية الإسلامية فقد ظلت الشعوب العربية على ولائها الإيماني والسياسي للخلافة ورفضت الاصطفاف مع الحملة الصليبية على الخلافة الإسلامية وشاركت في جيوش الخلافة في مواجهة هذه الحملة وقبور شهدائها العرب في المدينة النبوية والقدس وفلسطين والعراق والشام وغاليبولي وكوت العمارة خير شاهد على تاريخ زوره المنتصر الصليبي ومنظومته العربية الوظيفية.

واليوم بعد قرن من هذه الأحداث العظمى التي غيرت وجه التاريخ بدأت عجلة التآمر التاريخي تعود من جديد مع نهوض الأمة من جديد بثورتها العربية التاريخية وبنهضتها السياسية والإقتصادية في تركيا وأندونيسيا وماليزيا.

ففي اليوم الذي تهيأت فيه أمريكا وأوربا لإعلان نهاية التاريخ في العالم العربي والإسلامي بعد خطاب أوباما في القاهرة عام 2008م والذي بشر فيه بالديموقراطية الغربية كقدر لشعوب العالم، فإذا بشعوب الأمة ترد عليه بثورة تاريخية على الاحتلال الأجنبي والاستبداد الداخلي رافضة العبودية ولو باسم الديموقراطية وليعترف الرئيس أوباما بأن هذه الثورة فاجأتهم وخاصة في مصر (برنامج سنوات أوباماقناة الجزيرة).

وفي اليوم الذي هنأ فيه نتينياهو رئيس وزراء إسرائيل شعبه بمرور 70 عاما على قيامها tinyurl.com/y7qjacpw)) ليبشر العالم بالعهد الجديد لصفقة القرن الصهيونية تفاجئ تركيا أمريكا والغرب بإعلان رئيسها رجب طيب أردوغان تقديم الانتخابات، وليؤكد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم بإن التطورات الداخلية والخارجية دفعت بلاده لاتخاذ قرار اجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في 24 / 6 / 2018م بدلا من موعدها المقرر في 3 / 11 / 2019م، وبهذه الخطوة تقطع تركيا الطريق على التآمر الغربي والصهيوني والعربي الوظيفي على تركيا لضربها وعزلها عن الثورة العربية.

لقد أدركت أمريكا وأوربا منذ اليوم الأول للثورة العربية عام 2010م بأن التاريخ بدأ يعيد نفسه ولكن في الاتجاه المعاكس، فالثورة العربية اليوم على بقايا الحملة الصليبية وآثارها ليست كالثورة العربية الوظيفية التي قادها الشريف حسين وحكام المحميات البريطانية على الخلافة العثمانية الإسلامية عام 2016م.

فمع قيام الثورة العربية والتحامها بالنهضة التركية رجع الخطر التاريخي الذي شنت من أجله الحملات الصليبية لإسقاط الخلافة بعزل العرب عن الأتراك وضربهم ببعض، وهنا سارعت أمريكا وأوربا وروسيا وحلفائهم إلى تشكيل غرفة عمليات دولية مشتركة (المنصف المرزوقي: بين الانقلاب الناجح والفاشل https://goo.gl/rEeAFf ) لمواجهة الثورة العربية وإنهائها بالثورة المضادة والتدخل العسكري المباشر كما في سوريا والعراق واليمن وليبيا وضرب تركيا ونهضتها وعزلها عن الثورة العربية بالتآمر مع قوى وظيفية داخلية وإقليمية كما في الانقلاب الفاشل 2016م وإقامة الجدار العازل بالمليشيات الإرهابية على طول حدودها مع سوريا.

لذا فالثورة المضادة على الربيع العربي والنهضة التركية هي امتداد للدور الوظيفي لمن قام بالثورة العربية المضادة على الخلافة العثمانية الإسلامية وبنفس من قام بهذا الدور والداعم له منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا والذي انكشفت فيه التبعية الوظيفية للنظام العربي والدولة العميقة في تركيا للمنظومة الاستعمارية الغربية.

ومع مرور 7 سنوات على الثورة العربية وعجز القوى الاستعمارية وقوى الثورة المضادة في القضاء على الثورة جاءت قمة الرياض مايو 2017م ليعلن ترامب فيها مشروع صفقة القرن ويدعو دول المنطقة لتحمل كافة التكاليف لحملة التصدي لقوى المقاومة والثورة تحت ذريعة محاربة الإرهاب (نص خطاب ترامب في قمة الرياض tinyurl.com/ycuztsht ) ولتعلن القمة العمل على تأسيس (تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي) في عام 2018م والتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب (البيان الختامي للقمة tinyurl.com/y9lmx825).

وبهذا وضعت قمة الرياض الخطوات العملية لخطة غرفة العمليات الدولية المشتركة لمواجهة الثورة العربية والنهضة التركية (نص خطاب السيسي في القمة tinyurl.com/yakcu6z3 ) والتي بدأ الإعداد لها في الساحة السورية بدعم المليشيات الإرهابية pkk في شمال سوريا لبناء الجدار الحدودي العازل ثم تصفية الثورة السورية بحل سياسي ترعاه الأمم المتحدة مع بقاء الأسد على رأس السلطة كمرحلة انتقالية وهو ما مهد له الوزير الجبير وأبلغ الهيئة العليا للمفاوضات للمعارضة السورية في الرياض (tinyurl.com/ydyqhc2s) ولتؤكده مجلة TIME الأمريكية لاحقا في مقابلتها مع ولي العهد السعودي ( https://alqabas.com/518776/ ).

فكما وضعت لجنة الحرب البريطانية عام 1914م برئاسة اللورد كتشنر البرنامج التنفيذي للقضاء على الخلافة العثمانية الإسلامية بالعمل على تنصيب خليفة تحت نفوذها في شبه الجزيرة العربية حتى تتمكن من التحكم في الإسلام ( ديفيد فرومكين: سلام ما بعده سلام ولادة الشرق الأوسط ص115 فقد وضعت إدارة ترامب عام 2018م كإطار زمني للبرنامج التنفيذي لتحقيق صفقة القرن بجعل القدس عاصمة أبدية لإسرائيل ولإعلان ولادة الشرق الأوسط الجديد بإسلام معتدل مروض بعد إنهاء الثورة العربية والنهضة التركية.

وجاءت القمة العربية في الظهران 2018م كإحدى المحطات العملية ضمن البرنامج التنفيذي لمواجهة الثورة العربية وتركيا وهو ما كشفته القمة في مقدمة بيانها الختامي حيث أكدت على (إعادة الأمل لشعوبنا العربية التي عانت من ويلات الربيع العربي وما تبعه من أحداث وتحولات tinyurl.com/y8jn8f7j ثم بعدها بأيام يعلن الوزير الجبير عن الاستعداد لإرسال قوات التحالف الإسلامي إلى الشمال السوري لتحل محل القوات الأمريكية التي أعلن الرئيس ترامب عن سحبها ( tinyurl.com/y8vf6cn4 ) لتصبح القوة العربية الإسلامية في مواجهة مباشرة مع تركيا التي دخلت شمال سوريا لضرب المخطط الأمريكي الأوربي لمحاصرتها، وبهذا يتحقق لأمريكا ما تهدف إليه بضرب العرب بتركيا في عام 2018م كما فعلت بريطانيا من قبل في عام 1916م.

فكما أن الثورة العربية مستهدفة فكذلك تركيا التي أدركت خطر هذه الترتيبات الدولية على مستقبلها وأمنها القومي والذي ارتبط قدرا بالثورة العربية فعجلت بعقد الانتخابات لتتفرغ لمواجهة هذا الخطر الداهم على أبوابها بترتيب بيتها الداخلي أولا، وهذا بدوره يلقي على قوى الثورة العربية مسئولية تاريخية للنهوض بأدائها ليواكب الأحداث والمتغيرات التي تهدد مستقبل الأمة وشعوبها ولتتناغم مع الدور التركي في نهضة الأمة وتحررها ليعيد التاريخ نفسه عندما أنقد الأتراك السلاجقة الخلافة العباسية من التآمر الباطني الصليبي وهذا هو المفهوم الحقيقي للأمة الواحدة في مواجهة أعدائها التاريخيين الذين عادوا من جديد وإلا فإن سنن الله تعالى لا تحابي أحدا.

﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾

الجمعة 4 شعبان 1439هـ 20 / 4 / 2018م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: