من الصحوة إلى الوسطية…والحقيقة الغائبة!

من الصحوة إلى الوسطية…والحقيقة الغائبة!

﴿ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾

مشهد بائس ذلك الذي نشاهد فيه نخبا ودعاة، إن صح وصفهم بذلك، يتباكون على مشروع الصحوة والذي أعتمد في بيان القمة الإسلامية الثالثة التي انعقدت بمكة المكرمة في 25 يناير 1981م في المادة السابعة من البيان والتي نصت على ( ما تمتاز به الأمة الإسلامية في مطلع هذا القرن – الهجري – من صحوة مباركة لا عداوة فيها ولا انحياز، تبشر بمجتمع جديد يؤمن للإنسان المسلم تطلعاته إلى الكرامة والعزة ويحقق للإنسانية ما تصبو إليه من أمن وسلام وتقدم) ” انظر نص البيان https://tinyurl.com/yxe3uttw ” وقد عقدت القمة في ظل متغيرات كبرى في ظل الحرب الباردة التي غيرت من وجه المنطقة كمعاهدة كامب ديفيد 1979م وغزو روسيا لأفغانستان 1979م وحادثة مكة 1979م والحرب العراقية الإيرانية 1980م…

إن مشروع الصحوة الوظيفي جاء لمواجهة التغيرات السياسية والإجتماعية في العالم العربي ولتوجيهها بما يخدم مشروع أمريكا والنظام العربي الوظيفي، ولمواجهة التقدم الروسي الشيوعي نحو المنطقة مع احتلال روسيا لأفغانستان وذلك باستخدام الإسلام كما أكده الأمير بندر بن سلطان (استخدمنا الدين وقلنا الشيوعيون ملحدون وإنهم غير مؤمنين ونحن نحاربهم لأسباب دينية وحشدنا العالم الإسلامي وراءنا وهو ما تلاءم تماما مع استراتيجية ريغان لقتال الاتحاد السوفيتي في منطقة لا يستطيعون التأثير فيها كما نؤثر نحن) “كتاب الأمير ص141 – وليام سيمبسون – الدار العربية للعلوم ناشرون”…

فهذا المشروع الوظيفي تصدى بعلمائه ودعاته للشأن العام وخاصة السياسي واستطاع أن يحد من آثار التغييرات التي ضربت المنطقة العربية بعد معاهدة كامب ديفيد التي حيدت مصر وفتحت الطريق للإعتراف بالكيان الصهيوني، وبعد الثورة الإيرانية التي أسقطت الشاه شرطي الخليج والجزيرة العربية، وبعد أن عصفت الثورات الشعبية بالعالم العربي ابتداء من ثورة الخبز في مصر 1977 م وما تلاها من اضطرابات استمرت حتى اغتيال السادات 1982م ثم ثورة الشعب السواني 1985م ثم ثورة الشعب الجزائري 1988م …

لقد اصطفت الجماعات الإسلامية التقليدية المحافظة ودعاتها وعلماؤها والذين يمثلون مشروع الصحوة مع النظام العربي في مواجهته للتغيرات السياسية في السودان والجزائر، ففي السودان لم يمر عامان على الحكومة الشعبية المنتخبة حتى قام الجنرال البشير بانقلابه العسكري بدعم من التيار الإسلامي بقيادة حسن الترابي رحمه الله والذي كشف تفاصيل انقلاب عام 1989م في مقابلاته على برنامج شاهد على العصر في الحلقة التاسعة (https://tinyurl.com/y466dl6h)، وفي الجزائر استنفر جنرالات فرنسا ضد تحرر الشعب الجزائري وقاموا بانقلابهم العسكري عام 1992م بايعاز من فرنسا وأمريكا وبدعم خليجي وقبول من الحركة الإسلامية بقيادة محفوظ النحناح رحمه الله الذي شارك بحركته حمس في العملية السياسية التي نظمها الجنرالات وترشح النحناح للانتخابات الرئاسية ليضفي بذلك الشرعية على انقلاب صادر الإرادة الشرعية ورهنها لفرنسا وقال حينها النحناح مقولته المشهورة (رحم الله الدبابة التي حمت الديمقراطية) ” انظر محمد العربي زيتوت : رؤية لتجربة إسلاميي الجزائر السياسية قبل وبعد انتخابات عامي 1990 و1991 https://tinyurl.com/yydnryeq) ولم تكتف الحركة الإسلامية بما قدمه النحناح بل وذهب يوسف ندا كممثل للتنظيم الدولي وبطلب من النحناح لإقناع قادة جبهة الإنقاذ الإسلامية وهم في السجون بقبول نتائج الانقلاب السياسية والرضوخ للأمر الواقع وهو ما رفضه القادة وهنا يكشف لنا الاستاذ يوسف ندا عن هذا التعاون الوظيفي بكل وضوح فيقول(في عام 1994م جاء محفوظ نحناحرحمه اللهإلى كومو الإيطالية وقابلته وقال هل هناك وسيلة لإقناع عباس مدني وعلي بلحاج للتفاهم مع الرئيس زروال لإنقاذ البلاد؟ فقلت له خذ لي أذن لزيارتهم في السجن وأنا مستعد فقال رتب أمورك وأنا سأرتب مع الرئيس ورجال أمنه، وفي اليوم التالي استقبلني محفوظ في المطار وقال لي: سنلتقي فيما بعد فهذه حدودي واختفىوالتقيت لاحقا في فيلا بمحفوظ والجنرال بتشينوبدأت في لقاء القادة الذين سجلوا طلباتهم وملاحظاتهم) وأكدوا في طلباتهم على رفضهم لنتائج الانقلاب وطلبوا منع الجيش من التدخل وإعادة الاعتبار لنتائج الانتخابات التي انقلب عليها، يقول يوسف ندا (قرأ لي علي بلحاج رسالته للرئيس زروال فأصبت بالهلع والتشاؤمرغم شعوري أنهم متدينون وممكن يقال أنهم يصلحون للتظاهرات لكن لا يمكن بأي حال أن يطلق عليهم ساسة)من داخل الإخوان المسلمين يوسف ندا مع دوجلاس تومسونص40 ص 114-118 دارالشروق” وهذا التصور عند يوسف ندا عن قادة الجبهة هو نفسه ما أعلنه حينها الشيخ محمد الغزالي بأنه يحمد الله على عدم تسلم الجبهة الإسلامية للإنقاذ للسلطة وإلا لشوهت صورة الإسلام! بالرغم من أنها جاءت باختيار الشعب، ومع هذا الانقلاب الذي بارك له بعض علماء الصحوة دخلت الجزائر في نفق العشرية السوداء والذي قتل وفقد وسجن فيها مئات الآلاف من أبناء الشعب الجزائري على أقل تقدير، وما زالت السودان والجزائر تدفع ثمن هذه الاصطفاف الوظيفي…

وفي بداية التسعينات ومع إعلان الرئيس الأمريكي بوش الأب قيام نظام عالمي جديد بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الشيوعية، انطلق مشروع كلينتون لتجفيف المنابع وبدأت مراكز القرار الغربي بتنفيذ الاستراتيجية التي أقرتها اللجنة الدائمة للتخطيط الاستراتيجي المتكامل بعيد المدى عام 1988م في أمريكا بمشاركة كيسنجر وبريجنسكي وحددت فيه مصادر تهديد الأمن الغربي والحضارة الغربية واعتبرت اللجنة الأصولية الإسلامية من أهم هذه المهددات ليعود تصنيف الأمة من جديد كعدو تاريخي للغرب بعد عقود من مرحلة الشيوعية الاستثنائية ليعود الصراع إلى مجراه الطبيعي”موسوعة العلوم السياسية ص892 – جامعة الكويت″…

وفي السياق ذاته بدأت بدأ مؤسسة راند الأمريكية بوضع دراسات لبناء مشروع إسلامي جديد بديلا عن مشروع الصحوة الذي لم يعد يتناسب مع سياسة أمريكا في المنطقة مع احتلالها لأفغانستان والعراق، فأصدرت مؤسسة راند عدة دراسات على مدى سنوات ففي عام 1999 دراسة (مواجهة الإرهاب الجديد) وفي عام 2004م دراسة (العالم المسلم بعد 11/9) وفي عام 2005م دراسة (الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات) وفي عام 2007م دراسة (بناء شبكات مسلمة معتدلة) لمواجهة القوى الإسلامية الرافضة للهيمنة الأمريكية وبهذه الدراسات (https://tinyurl.com/yd6g788y ) انطلق مشروع (الوسطية) وبرعاية المؤسسات الدينية الرسمية للنظام العربي وبدعم من القنوات الإعلامية ودعاتها، وبدأ خطاب إسلامي وظيفي جديد يركز على مفهوم الوسطية والاعتدال والنهضة والقيم، وأصبح له مفكرون ودعاة، ودخل علماء واتحادات وهيئات علمائية على هذا الخط لشرعنة هذا الخطاب الوظيفي الجديد…

وفي الوقت الذي كانت الصحوة تعزز قيم التدين والفضيلة وتحفظ الشباب من الأفكار الإلحادية والإباحية كانت في المقابل تعزز شرعية الأنظمة الوظيفية وتحرم كل أشكال الخروج عليها أو الاصطدام بها واعتبرت أن ما تقوم به هو الحل لكل أزمات الأمة وشعوبها!

وكلما خرج من عباءة الصحوة صوت جريء يرفض التماهي مع الواقع الوظيفي سرعان ما يتم قمعه بالسجن أو الاغتيال أو احتواؤه بالمال والإعلام وقد شهدت فترة تـنامي هذه الحالة الجهـادية ضـد الوجـود الأمـريكي في المنطقة – ثم ظهور القاعدة – ما بين 1995م إلى 2005م أوج التعاون بين جماعات الصحوة والأنظمة الوظيفية، حيث تم تسخير كل وسائل الإعلام خاصة القنوات الفضائية أمام دعاة الصحوة ومراكز الوسطية برعاية رسمية من وزارات الداخلية والإعلام لمواجهة هذهالحالة الجهادية والتبشير بمشروع النهضة والحضارة والقيم، وكانت القنوات الإعلامية تعزز هذا التوجه، وتزاوج المال السياسي الوظيفي والإعلام الإسلامي وصار ذلك مصدرا للإثراء غير المشروع وشراء الذمم بتوقيع عقود عمل بملايين الدولارات مع دعاة الصحوة وشيوخها لإعادة صياغة العقل الإسلامي بما يخدم مشروع أمريكا في المنطقة ويرسخ هيمنتها!

وبالفعل قام دعاة الوسطية هؤلاء بدورهم الوظيفي بحملة مدعومة لتغييب العقل الجمعي للأمة عن الأسباب الحقيقية للتخلف والفقر وهو الاحتلال الخارجي والاستبداد الوظيفي الذي وقعت فيه الأمة منذ سقوط الخلافة الإسلامية…

بل وحتى الحملات العسكرية الأخيرة التي احتلت أفغانستان عام 2001 م والعراق عام 2003م لم يكن لدعاة الوسطية والاعتدال والنهضة هؤلاء أي صوت يحذر من هذا الاحتلال ويدعو لمقاومته وإنما اتجهت أصواتهم وسهامهم نحو حركة طالبان والتيار الجهادي والمقاومة ووصفهم بالتشدد والتطرف تماما كما تصفهم أمريكا والنظام العربي، وجاءت الأحزاب التي تمثل تيار الصحوة والوسطية وتوجهاته على ظهر الدبابة الأمريكية كأحزاب تحالف الشمال في أفغانستان وتشكيل حكومة كرزاي في مؤتمر بون عام 2001م برعاية المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وإسقاط حكومة طالبان بأشهر (https://tinyurl.com/yxnp47jr)، والحزب الإسلامي في العراق الذي شارك في مؤتمر لندن للمعارضة العراقية في الخارج في 14-15 ديسمبر 2002م والذي مهد سياسيا للاحتلال الأمريكي للعراق وأصبحت هذه المعارضة الوظيفية لاحقا هي الأداة السياسية لأمريكا لحكم العراق إلى يومنا هذا (نص البيان الختامي لمؤتمر المعارضة العراقية في لندن https://tinyurl.com/y4684x4f)، ولا زالوا يمارسون دورهم الوظيفي إلى يومنا هذا ولم ينكر عليهم ذلك دعاة الصحوة بالأمس والوسطية اليوم…

واليوم وفي ظل الثورة وتحرر الأمة تتباكى هذه الجماعات الوظيفية ودعاتها على أطلال مشروع الصحوة الوظيفي بعد إعلان رعاته بانتهائه رسميا، ويظنون بأن شعوب الأمة لا زالت في غفلتها عن أحداث التاريخ القريب وعن تحالفاتهم المشبوهة مع النظام العربي والتي لا زالت مستمرة، والتي ظهرت جليا في تونس وتفاهمهم مع السبسي قبل انتخابات 2014م والذي عاد السبسي رجل نظام بن علي ليصبح رئيسا لتونس وبدعم من النهضة بعد اللقاء السري بينهما في باريس عام 2008م برعاية فرنسية “انظر مقال لقاء باريس :الدروس والتحديات والآفاق بقلم : راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة (https://tinyurl.com/yb9k7snp )، وفي مصر وتفاهمهم مع المجلس العسكري والذي كشف تفاصيلها الكاتب الإسلامي أحمد منصور كشاهد عيان على أحداث الثورة المصرية في مقاله ( قراءة في أخطر خطاب ألقاه عبد الفتاح السيسي 14 / 3 / 2019م https://tinyurl.com/y69fzrbj)

وفي اليمن وقبولهم بالمبادرة الخليجية برعاية أمريكية وأممية والتي نقلت السلطة من علي عبدالله صالح إلى نائبه عبد ربه منصور هادي من خلال إطار تكتل أحزاب اللقاء المشترك مع القوى القومية والناصرية لينتهي المشهد بإخراج الثورة من صنعاء ودخول مليشيات الحوثي الطائفية لتحكم صنعاء (https://tinyurl.com/y37er8mo ) وفي ليبيا وتفاهم حزب العدالة والبناء مع المبعوث الدولي ومشاركته بالترتيبات السياسية الدولية للمشهد السياسي في ليبيا وترأس ممثله خالد المشري لرئاسة مجلس الدولة أحد مخرجات المبادرة الدولية في الصخيرات، وترحيب الحزب بالإجتماع وبالتفاهم السياسي بين الجنرال حفتر وفايز السراج رئيس حكومة الوفاق المعترف بها دوليا والذي عقد في أبوظبي 27 / 2 / 2019م والذي جاء بعده هجوم مليشيات حفتر على طرابلس للقضاء على القوى الثورية التي عجز مجلس الدولة وحكومة السراج عن السيطرة عليها (https://tinyurl.com/y4u5z376 )

وفي سوريا لعبت الحركة الإسلامية دورا رئيسيا في تشكيل المجلس الوطني من خلال”مجموعة العمل الوطني من أجل سورية” وبالمشاركة المباشرة بعد ذلك في تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية (بعد ضغوط مكثّفة من قطر والولايات المتحدة، اللتان كانتا قد فقدتا ثقتهما بالمجلس الوطني ورغبتا في إعادة هيكلة قيادة المنفى) “انظر دراسة معهد كارنيجي : الصراع من أجل التكيُّف – آرون لوند 7 مايو 2013م

https://tinyurl.com/y5xpos2l ” لسحب بساط التمثيل السياسي من قوى الثورة لتبقى بتمثيل وظيفي لا يخرج عن محددات النظام الدولي الداعم لنظام بشار…

ليقوم هؤلاء جميعا بالدور السياسي الوظيفي الذي أنيط بهم لاحتواء أي ثورة أو حراك شعبي أو مقاومة…

إن دعاة مشروع الصحوة الوظيفي هم أنفسهم انتقلوا من أطلال هذا المشروع إلى قصور الوسطية وثرواتها ليستمروا في تأدية دورهم الوظيفي، وأما من رفض وعارض فهو إما معتقل في السجون أو منفي ومطرود ومحاصر ولا عزاء لهؤلاء بعد الله عز وجل إلا نجاح الثورة العربية وعودة الأمة من جديد…

﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ﴾

سيف الهاجري

الجمعة

26 رمضان 1440هـ

31 / 5 / 2019م

#معركة_ال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: