تركيا وأمن الخليج…والمسئولية التاريخية!

تركيا وأمن الخليج…والمسئولية التاريخية!

سيف الهاجري
الأمين العام لحزب الأمة – الكويت

مع دخول المحتل البريطاني منطقة الخليج العربي فرض هيمنته وسيطرته عليها بساحليها الشرقي والغربي باتفاقيات حماية لشيوخ موانئ الخليج نصت على حصر الحكم في هذه الأسر مقابل الحماية وعدم التصرف إلا بإذن المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي، بالرغم من تبعية الخليج العربي وموانئه للدولة العثمانية آنذاك التي اعتمدت شيوخ هذه الموانئ كموظفي دولة وأقامت فيها المراكز الصحية والجمركية وهو ما أقرت به بريطانيا في المعاهدة العثمانية البريطانية عام ١٩١٣ إلا أنه بعد قيام الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية ألحقت بريطانيا رسميا مشيخات الخليج العربي بحكومة الهند البريطانية في مومبي التابعة للتاج البريطاني!
وبقي الخليج العربي جزءا من السياسة البريطانية كأحد الممرات والطرق الهامة لربط مستعمرات الشرق خاصة الهند ببريطانيا، وبعد اكتشاف النفط في الخليج العربي وتحول العالم نحو النفط كمورد أساسي للطاقة أصبح الخليج العربي في صلب السياسة الغربي للهيمنة على العالم ومواجهة الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، واتفقت بريطانيا مع أمريكا لتنفيذ سياسة الإحلال والتي اقترحها وزير المستعمرات تشرشل في يناير عام ١٩٢١ على لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني في بداية التحضير لمؤتمر القاهرة في مارس عام ١٩٢١ الذي وضعت فيه الأسس لقيام النظام العربي!(انظر سلام ما بعده سلام لفرومكين ص٥٦٢).

وظل الخليج العربي بعد قيام النظام الدولي الغربي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية تحت الحماية الأمريكية الأوربية المباشرة بقواعد عسكرية وفي ظلها تشكلت دول الخليج العربي بعد إعلان استقلالها وإنضمامها للأمم المتحدة لتصبح جزءا من المنظومة الدولية الخاضعة للهيمنة الغربية السياسية والإقتصادية!
وفي ظل هذا الوجود العسكري الغربي والتبعية السياسية للنظام الدولي ظل مفهوم الأمن السائد في الخليج العربي مرتبط بهذا الوجود والتبعية والذي أكده الرئيس الأمريكي أيزنهاور عام ١٩٥٧ (مبدأ أيزنهاور بحماية المنطقة من الخطر الشيوعي) والرئيس الأمريكي كارتر بإعلانه في عام ١٩٨٠ بأن أمريكا ستستخدم القوة العسكرية للدفاع عن مصالحها في منطقة الخليج العربي، والذي توج بالاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق ٢٠٠٣م.
وقد عززت حكومات الخليج ارتباط الأمن الخارجي والداخلي بهذا الوجود الأجنبي في سياساتها وإعلامها ومناهجها التربوية والتعليمية في جعله صورة من صور التحالف والتفاهم مع القوى الغربية وفي إطار استراتيجي بالرغم من أن مفهوم الأمن هذا الذي تتبناه دول الخليج يتعارض مع التعريفات المعتمدة في الموسوعات العالمية كدائرة المعارف البريطانية التي تعرف الأمن بأنه (حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية) وتعرفه دائرة معارف العلوم الإجتماعية بأنه (قدرة الدولة على حماية قيمها من التهديدات الخارجية) وهذا ما لم يتحقق وفقا لمعاهدات الحماية الأجنبية هذه!
فوفقا لهذه التعريفات العلمية لمفهوم الأمن فإن الأمن في الخليج العربي مرتبط بالقوى الغربية وبالمصالح الخارجية لها التي تعتمد حكومات الخليج عليها في توفير الأمن الخارجي والداخلي والذي أكده وزير الدفاع الأمريكي السابق تشاك هيغل عندما أكد بعد أحداث الحراك الشعبي في الكويت عام ٢٠١٢ على استعداد أمريكا لحماية الكويت من الأخطار الخارجية والداخلية!
وبالرغم من هذه الحماية الأمريكية فإن الخليج العربي لم يشهد أمنا حقيقيا على مدى عقود والذي قامت فيها حرب ظفار ١٩٦٥ والحرب العراقية الإيرانية ١٩٨٠ والغزو العراقي للكويت ١٩٩٠ والاحتلال الأمريكي للعراق ٢٠٠٣ وحصار قطر ٢٠١٧ وحرب اليمن ٢٠١٤ والمستمرة إلى اليوم، كل هذه الحروب وظيفية لتعزيز الهيمنة الأمريكية الغربية على الخليج والجزيرة العربية!
فالخليج العربي يعيش في فراغ أمني وجيوسياسي خطير في ظل ارتباط أمنه ومستقبله بالقوى الغربية ومصالحها والتي جعلتها تتعاون من إيران ومليشياتها الطائفية في العراق وسوريا واليمن لمواجهة شعوبها الثائرة من أجل الحرية، وهو ما يجعل إيران ومليشياتها الطائفية مرشحة للقيام بنفس الدور في الخليج العربي في حالة رأت القوى الغربية أن وجودها في الخليج العربي ومصالحها مهددة من أي حراك لشعوب الخليج العربي في ظل موجات ثورة الربيع العربي!
إن الخليج العربي بدوله وشعوبه في ظل هذه الحماية الغربية هو في حقيقته فاقد للسيادة والإرادة الشعبية والأمن!
فليس الأمن في الخليج العربي تحت حماية القواعد العسكرية الغربية بمنأى عن الانهيار الداخلي الذي يتعرض له النظام العربي وخطر المليشيات الإيرانية الطائفية التي أصبحت أداة بيد أمريكا وروسيا!
فدول الخليج العربي وشعوبه أمامها فرصة تاريخية لتحقيق الأمن الحقيقي بعيدا عن الحماية الغربية بوجود تركيا كدولة مركزية تستطيع أن تسهم في حماية أمن الخليج كما قامت به من قبل الدولة العثمانية طوال تاريخها مدة أربعة قرون، وقد أثبتت تركيا قدرتها على ذلك بحماية قطر من خطر إجتياح مرتزقة البلاك ووتر لها عام ٢٠١٧!
فتركيا اليوم مؤهلة لاستعادة دورها التاريخي في تعزيز الأمن في الخليج والجزيرة العربية وحمايته من خطر الفوضى والانهيار ولن يشكل وجودها خطرا على دين شعوب الخليج وهويتها كالخطر الغربي الصليبي أو الخطر الإيراني الشيعي!
فشعوب الخليج العربي وشعوب العالم العربي تعتبر تركيا دولة سنية مركزية في المنطقة وهي من نفس هويتها ومذهبها السني وتحمل معها إرثا تاريخيا مشتركا يرشحها لتعود من جديد للإسهام في أمن المنطقة وتحريرها وحماية شعوبها والتعاون من أجل تحقيق الوحدة بينها التي كانت تعيشها المنطقة منذ ظهور الإسلام!
فهذا هو الأمن الحقيقي للخليج!

‏﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

الأحد ١٥ شعبان ١٤٤٢هـ
٢٨ / ٣ / ٢٠٢١م

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: