الحرب على الإرهاب..وانهيار الغرب!

الحرب على الإرهاب..وانهيار الغرب!

سيف الهاجري
الأمين العام لحزب الأمة – الكويت

في عام ١٩١٤ وفي جلسة لمجلس العموم البريطاني لمناقشة الحرب على الخلافة العثمانية الإسلامية حذر مارك سايكس من (أن اختفاء الخلافة العثمانية هو الخطوة الأولى حتما نحو اختفاء الأمبراطورية البريطانية)”فرومكين: سلام ما بعده سلام ص٨٣”، وبالفعل هذا ما حصل فقد احتلت بريطانيا الولايات العربية للخلافة العثمانية وتحملت مسئوليات الحكم والحماية سياسيا وإقتصاديا وواجهت ثورات ومقاومة استنزفتها على مدى عقدين، وما جاءت الحرب العالمية الثانية حتى انتهت الأمبراطورية البريطانية كما حذر سايكس وحلت محلها أمريكا في العالمين العربي والإسلامي.
وجاءت السنن لتكرر هذا المشهد التاريخي بعد قرن من سقوط الخلافة العثمانية، فكما أعلنت بريطانيا وفرنسا حملتهما الصليبية على الخلافة العثمانية تحت شعار تحرير العرب من الاستبداد العثماني “انظر البيان البريطاني الفرنسي نوفمبر1918 – الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية 3/499″، أعلن الرئيس الأمريكي بوش الابن عام 2001 الحملة الصليبية الأمريكية الجديدة تحت شعار (الحرب على الإرهاب) لتحرير العالم الإسلامي من التطرف الإسلامي ونشر الديموقراطية وبدأها باحتلال أفغانستان والعراق!
لتسير بذلك أمريكا على خطى بريطانيا، لتواجه ما واجهته في أفغانستان والعراق من ثورات وحرب استنزفت الإمبراطورية البريطانية وفقدت هيمنتها على العالم في عشرين عاما!
فالحرب على الإرهاب هي في حقيقتها حرب صليبية جديدة على العالم الإسلامي أطلقها الرئيس بوش في زمن لم يكن العالم الإسلامي كما كان من قبل في مواجهته للحروب الصليبية، فهذه الحملة واجهتها الأمة وشعوبها وهي فاقدة لخلافتها ودولتها المركزية وممزقة ومحكومة من أنظمة وظيفية أصبحت جيوشها ومؤسساتها الأمنية في خدمة الحملة الغربية الصليبية على الإرهاب.
وبالرغم من ذلك كله فقد استطاعت الأمة وشعوبها هزيمة حملة “الحرب على الإرهاب” الصليبية سواء في الميدان الحضاري والأخلاقي أو في الميدان العسكري!
ففي الميدان العسكري صمدت الأمة أمام الحملة العسكرية الأمريكية وجاهدتها وهزمتها!
ففي أفغانستان والعراق واجهت الأمبراطورية الأمريكية الهزيمة العسكرية المباشرة والاستنزاف الاقتصادية الهائل والذي قدر فيه معهد واتسون في جامعة براون الأمريكية تكاليف الحرب بما يقارب 5 تريليون دولار، وهو ما اعترف به الرئيس ترامب لاحقا بعد إعلانه العزم على الانسحاب من أفغانستان ووقف الحروب التي لا تنتهي والخروج من فوضى الشرق الأوسط.
وهذا ما أكده مبكرا وزير خارجية ألمانيا الأسبق يوشكا فيشر في عام 2006 بطرحه لرؤيته حول حول الحملة الأمريكية في مقال ” ماذا يجري في الشرق الأوسط” حيث ذكر بأن (احتلال العراق في شهر مارس/آذار 2003 أدى إلى تحويل هذه الهيمنة إلى مسئولية مباشرة تتحملها الولايات المتحدة إزاء مستقبل الشرق الأوسط فإذا ما أخفقت على الرغم من قوتها العسكرية العاتية، فإن هذا من شأنه أن يحدث خواءً في القوى ويزعزع الاستقرار في المنطقة بالكامل وهذا الذي كان متوقعاً منذ البداية قد أصبح الآن واقعاً مريراً، وتصاعدت تكاليف الحرب إلى عنان السماء وأسفرت الحرب في العراق عن خسارة الولايات المتحدة لوضعها كقوة منفردة في الشرق الأوسط، وفي أماكن أخرى من العالم).
ويضيف فيشر قائلا (لقد أصبح مستقبل المنطقة بالكامل عرضة للخطر. ونستطيع أن نعتبر أنفسنا محظوظين إذا ما اقتصرت الفوضى الناشئة على حدود العراق)
لكن الفوضى -وهي المفهوم السياسي الغربي لفقدان الهيمنة والنفوذ- التي حذر منها فيشر امتدت آثارها كزلزال ضرب العالم العربي وأحدث ثورة الربيع العربي بعد أقل من عقد من حملة بوش الصليبية!
فهذا الفقدان للهيمنة وانحسار النفوذ الغربي على العالم الإسلامي من أهم تداعيات “الحرب على الإرهاب” وشكل بداية انهيار النظام الغربي الامبريالي الذي تشكل بعد الحربين العالمية الأولى على أنقاض الخلافة العثمانية الإسلامية.
فهذا الانهيار للغرب ونظامه الدولي لهو من أخطر نتائج فشل “الحرب على الإرهاب” وهو ما نشاهده اليوم بكل وضوح مع التراجع الأمريكي سياسيا وعسكريا وإقتصاديا في العالم، وبدأت أمريكا وهي الركيزة الكبرى للنظام الغربي بالإعلان عن إعادة تموضعها الاستراتيجي في العالم وأخذت تشيع بأنه لمواجهة الصين وروسيا في محاولة لتغطية حقيقة انهيار المنظومة الغربية!
بل هو تراجع وإنكفاء حقيقي لها في المنطقة وإلا لما انسحبت من أفغانستان والتي كان من أهداف احتلالها لها هو محاصرة الصين وروسيا في قلب آسيا الذي تدعي اليوم بأن استراتيجيتها الجديدة مواجهتهما!
والحقيقة أن الهزيمة العسكرية والانهيار الاقتصادي هو الذي جعلها غير قادرة على القيام بأعباء الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط وحماية نفوذها فيه خاصة مع وصول الدين العام الأمريكي لما يقارب 25 تريليون دولار في 2020 واستمرار زيادة هذا العجز سنويا بما يقارب تريليون دولار سنويا.
مما جعلها تسير على خطى الأمبراطوريات التي سقطت بعد تحملها أعباء عسكرية وإقتصادية بسبب حملاتها وهيمنتها التي تفوق قدراتها وقدرات مستعمراتها وآخرها بريطانيا وفرنسا كما وضح هذا الخط التاريخي المؤرخ بول كينيدي في كتابه “صعود وسقوط القوى العظمى: التغير الاقتصادي والنزاع العسكري من 1500 إلى 2000”.
فهذا بوضوح هو الانهيار السياسي والإقتصادي والعسكري للنظام الغربي!
وأما في الميدان الحضاري والأخلاقي فقد كشف صمود الأمة في مواجهتها حملة “الحرب على الإرهاب” للعالم أجمع زيف المشروع الأمريكي بنشر الديموقراطية في الشرق الأوسط لإعادة تأهيل المنظومة الوظيفية الحاكمة لكن وفق معايير حكم تم رسمها في مراكز الاستشراق الصليبية كمؤسسة راند ودراساتها التي أصبحت مرجعية للسياسة الأمريكية في العالم الإسلامي رديفا لحملتها العسكرية.
فتحت هذا الزيف والخداع والتبشير بالحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان فتح معتقل غوانتنامو في القاعدة الأمريكية في كوبا وفتحت السجون في العالم العربي وتحولت سفن لسجون عائمة في البحار الدولية وانتشرت السجون السرية في أوربا لكل معارض للسياسة الأمريكية وحملتها الصليبية بلا محاكمات ولا أدنى احترام لحقوق الإنسان التي يتباهى بها الغرب حضاريا عل شعوب العالم أجمع!
لقد فقد الغرب بريقه الحضاري والإخلاقي وانكشفت اكذوبته الحضارية وظهرت ثقافته العنصرية أمام العالم، والتي اعترف الرئيس بايدن في خطابه بالذكرى المئوية لمذبحة تولسا العنصرية بأن (العنصرية بكل أشكالها متأصلة بشكل منهجي في قوانينا وثقافتنا)، ناهيك عن الروح الصليبية التي تسيطر على الرؤية الغربية للبشرية!
لم تمر الألفية الثانية والتي تصور الغرب ومفكريه بأنها نهاية التاريخ بالانتصار الحضاري للنظام الغربي الليبرالي المسيحي على الحضارات البشرية ودياناتها وثقافتها حتى عادت الأمة الإسلامية من تحت الركام وللمرة الثانية في تاريخ البشرية لتنقذها من الطغيان القيصري الصليبي المعاصر!
فالمرة الأولى قادها الصحابة الكرام بالفتوحات الكبرى التي أسقطت الطغيان الفارسي الكسروي والاستعباد الروماني القيصري ليقيموا العدل وينشروا الحرية السياسية والدينية للأمم والشعوب تحت حكم الإسلام وعدله.
والمرة الثانية ها نحن نرى بوادرها مع هزيمة الغرب في حملته “الحرب على الإرهاب” والتي معها بدأ ينهار النظام الغربي واستعماره للأمم والشعوب منذ انطلاق كشوفه الجغرافية قبل خمسة قرون.

“بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً، فَطُوبى لِلْغُرَبَاءِ”

الأربعاء ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٢هـ
٧ / ٧ / ٢٠٢١م

رأيان حول “الحرب على الإرهاب..وانهيار الغرب!

اضافة لك

  1. اسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يكتب لك بكل حرف في مقالك هذا أجر المجاهدين المرابطين وان يثبتنا واياكم على طريق الحق حتى نلقى وجهه الكريم وان يقر أعيننا بنصر أمتنا على عدو الله وعدونا عاجلا غير آجل. آمين

    Liked by 1 person

  2. استاذ سيف الهاجري: لك كل التحية والتقدير على مقالك التحليلي الرائع الغاية في الأهمية والدقة والصحة، الذي يعكس أفكارك النيرة واخلاصك في حبك لأمتك ودينك. بارك الله فيك. واسمح لي أن أُرفق لك رابط لمقال لي نشرته منذ أيام بعنوان (الطامعون الجدد في أفغانستان):

    https://www.raya.com/2021/07/03/%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%af%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a7%d9%85%d8%b9%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d9%81%d8%ba%d8%a7%d9%86%d8%b3%d8%aa

    داود عمر داود – إعلامي وصحفي اردني

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: