معركة نهاوند…هلاك كسرى وشهادة عمر

قال (إذا هلكَ كِسْرَى فلا كِسْرَى بعده وإذا هلكَ قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بعده والذي نفسُ محمدٍ بيده لَتُنْفَقَنَّ كنوزَهما في سبيلِ اللهِ) رواه البخاري ومسلم.

قال الفاروق عمر (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ ، وَوَفَاةً بِبَلَدِ رَسُولِكَ) رواه الموطأ.

في أول سنة 20 هـ لعشر سنين من خلافة عمر الفاروق رضي الله عنه انتصر المسلمون بقيادة النعمان بن مقرن في معركة نهاوند والتي تعد من معارك الإسلام الفاصلة والتي بها سقطت الفارسية الكسروية للأبد ولم تقم لها قائمة إلى اليوم ليصدق فيها حديث النبي .

ففي نهاوند حشدت فارس لمواجهة جيوش عمر (واجتمعوا من كل فج عميق بأرض نهاوند، حتى اجتمع منهم مائة ألف وخمسون ألف مقاتل، وعليهم الفيرزان ويقال: بندار، ويقال ذو الحاجب. وتذامروا فيما بينهم، وقالوا: إن محمدا الذي جاء العرب لم يتعرض لبلادنا، ولا أبو بكر الذي قام بعده تعرض لنا في دار ملكنا، وإن عمر بن الخطاب هذا لما طال ملكه انتهك حرمتنا وأخذ بلادنا، ولم يكفه ذلك حتى أغزانا في عقر دارنا، وأخذ بيت المملكة وليس بمنته حتى يخرجكم من بلادكم. فتعاهدوا وتعاقدوا على أن يقصدوا البصرة والكوفة ثم يشغلوا عمر عن بلاده، وتواثقوا من أنفسهم وكتبوا بذلك عليهم كتابا) “البداية والنهاية ج7 ص106” والمسلمون يومها بقيادة النعمان بن مقرن في 30 ألف مقاتل، وفي مواجهة هذا الحشد الفارسي الأخير تجلت عبقرية الفاروق عمر في توجيه جيش الإسلام لتحقيق النصر بحسن التخطيط والاستعداد وبصدق التوكل على الله كما في رسالته لقائد الجيش النعمان بن مقرن «بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى النعمان بن مقرن سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنه قد بلغني أن جموعا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرا فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم، ولا تدخلهم غيضة، فإن رجلا من المسلمين أحب إلي من مائة ألف دينار، والسلام عليك. فسر في وجهك ذلك حتى تأتي ماه فإني قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمع إليك جنودك فسر إلى الفيرزان ومن جمع معه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا وأكثروا من لا حول ولا قوة إلا بالله» “البداية والنهاية ج7 ص108”.

فنفذ النعمان بن مقرن وصية الفاروق وأنزل الله نصره على المؤمنين ليتحقق نصر تاريخي في نهاوند لينتهي بعدها سلطان كسرى على المشرق ولتستكمل جيوش الفاروق فارس وليتحقق ما بشر به النبي .

ومن أعجب آثار معركة نهاوند وتداعياتها العظيمة هو الخلفية التاريخية في شهادة الفاروق عمر وإليك ما ذكره إبن كثير في تاريخه (قال الشعبي: لما قدم سبى نهاوند إلى المدينة جعل أبو لؤلؤة فيروز لا يلقى منهم صغيرا إلا مسح رأسه وبكى وقال: أكل عمر كبدي- وكان أصل أبي لؤلؤة من نهاوند فأسرته الروم أيام فارس وأسرته المسلمون بعد، فنسب إلى حيث سبي- قالوا: ولم تقم للأعاجم بعد هذه الوقعة قائمة) “البداية والنهاية ج7ص112”.

فمع انتصار نهاوند سقطت الكسروية وبها بدأت المؤامرة الفارسية لإغتيال عمر الفاروق (وملخص ذلك أن عمر رضي الله عنه لما فرغ من الحج سنة ثلاث وعشرين ونزل بالأبطح دعا الله عز وجل وشكا إليه أنه قد كبرت سنه وضعفت قوته، وانتشرت رعيته، وخاف من التقصير، وسأل الله أن يقبضه إليه، وأن يمن عليه بالشهادة في بلد النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتا في بلد رسولك، فاستجاب له الله هذا الدعاء، وجمع له بين هذين الأمرين الشهادة في المدينة النبوية وهذا عزيز جدا، ولكن الله لطيف بما يشاء تبارك وتعالى، فاتفق له أن ضربه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي الأصل، الرومي الدار، وهو قائم يصلي في المحراب، صلاة الصبح من يوم الأربعاء، لأربع بقين من ذي الحجة من هذه السنة بخنجر ذات طرفين، فضربه ثلاث ضربات. وقيل ست ضربات) “البداية والنهاية ج7 ص137” ليكشف هذا النص التاريخي التآمر الفارسي الرومي لقتل الخليفة عمر بعد عجزهم عن مواجهة جيوشه وليستجيب الله لدعوة الفاروق بالشهادة في سبيله وفي بلد رسوله.

وبعد الانتصار معركة نهاوند والتي أسماها المسلمون فتح الفتوح أصبح طريق الشرق مفتوحا أمام جيوش الخلافة الراشدة لتحقق ما بشر به النبي الصحابة وهم محاصرون في المدينة في معركة الخندق حين جمعت أحزاب الكفر والشرك والنفاق جيوشها للقضاء على الإسلام وأهله فقال وهو يضرب حجرا اعترضهم وهم يحفرون الخندق ( بسم الله، وضرب ثانيةً فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا) رواه أحمد.

إن أحداث معركة نهاوند وشهادة الفاروق عمر تكشف لنا خطورة النفاق وأهله على الأمة منذ ظهور الإسلام إلى اليوم وهي تواجه بثورتها التاريخية الاحتلال الصليبي والاستبداد الداخلي فإذا بالأمة تتفاجأ بعودة أحزاب الخندق من جديد ليتحالفوا مع ورثة قتلت الفاروق ومبغضيه ليحاربوا الأمة ويدكوا مدنها بعد احتلالهم لعواصم الخلافة بغداد ودمشق ليستمر احتلالهم لأرض الإسلام بعد سقوط الخلافة الإسلامية والتي تسعى الأمة بثورتها ونهضتها لإعادتها كما أقامها النبي وخلفائه الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وصحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين لتحقق الأمة بذلك بشرى النبي ببلوغ ملك أمته بخلافتها الراشدة مشارق الأرض ومغاربها (إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا) رواه مسلم.

الخميس 24 شعبان 1439هـ 10 / 5 / 2018م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: