الثورة العربية… بين حاكمية الإسلام وديموقراطية المحتل

 الثورة العربية… بين حاكمية الإسلام وديموقراطية المحتل

 
منذ قيام ثورة الربيع العربي عام 2010م، أصبحت طبيعة النظام السياسي من أهم الإشكالات التي تواجه الجماعات والأحزاب السياسية بكل توجهاتها، وأثر الواقع الفكري والسياسي السائد في العالم العربي، والذي شكله الاستعمار الغربي للمنطقة، على ما طرح من حلول وأشكال للنظام السياسي، فدارت غالبها حول تأسيس نظام سياسي وفق النموذج الغربي للديموقراطية وممارساتها وآلياتها، وهو ما حرص عليه الإتحاد الأوربي وأمريكا في تطبيقه في تونس بعد الثورة كنموذج لتعميمه على بلدان الربيع العربي كمحاولة للالتفاف على ثورات الشعوب باسم الديموقراطية والحرية، وظهر ذلك جليا في الحضور الدائم لرئيس المجلس الأوربي لجلسات صياغة الدستور التونسي ليضمن بقاء تونس ضمن المسار المرسوم لها وهو ما كان.
إن أخطر ما في قضية شكل النظام السياسي هو ارتباطه الوثيق بالثورة العربية وأهدافها وتطلع شعوبها للتحرر والاستقلال، فالغرب الإستعماري يعمل من أجل بقاء نفوذه واستمراره وليس لنشر الحرية والفكر، ومن أهم أدواته للسيطرة بقاء النظم السياسية في العالم العربي بعيدة عن الإسلام كنظام سياسي حاكم يعبر عن إرادة الأمة وهويتها وسيادتها في اختيار نظامها السياسي، وهو ما حرص عليه الغرب بعد الخلافة العثمانية، عندما فرض وزير خارجية بريطانيا كيرزون على تركيا إلغاء الخلافة وإلغاء الشريعة ووضع دستور علماني ومحاربة من يدعو للخلافة، والمعروفة بشروط كيرزون، فالغرب الاستعماري لا يهمه تطبيق الديموقراطية الغربية في العالم العربي بقدر ما يهمه المحافظة على نفوذه ومصالحه، وإلا فالديموقراطية كما قال رئيس وزراء فرنسا في أواخر القرن 19 بأنها لا تصلح إلا لأوربا!
فلم تكن الديموقراطية الغربية كفكر وفلسفة وتطبيق يوما جزءا من تاريخ الإسلام الفكري أو السياسي، فهي غربية النشأة والتكوين والتطور منذ العصر الأغريقي إلى يومنا هذا، ولا زالت الديموقراطية نفسها تواجه إشكالات كبرى لا على مستوى الفكر أو مستوى التطبيق في المجتمعات الغربية نفسها فحسب، وهو ما أشار إليه عالم الإجتماع الفرنسي ألان توريه في كتابه ما هي الديموقراطية حيث يقول (لقد تحولت الآمال الثورية العريضة إلى كوابيس شمولية أو إلى بيروقراطيات دولة وتبين أن الثورة والديموقراطية تتناصبان العداء)، فالشعوب الغربية بعد ثورتها على نظم الاستبداد والإقطاع تبنت الديموقراطية كونها جزءا من فكره وتراثه وتاريخه، فالغرب هنا لم يلتفت للنظريات السياسية الأخرى القائمة وذات التراث الفكري والممارسة الغنية كالنظام الإسلامي وإنما نظر لتاريخه وتراثه وهذا ما يتوافق مع طبيعة الشعوب في التعبير عن هويتها وثقافتها.
ومع قيام الثورة العربية واجهت شعوبنا نفس الإشكالات، فهي تدفع وبقوة من القوى الغربية نحو تبني الديموقراطية كنظام سياسي بدعوى مواكبتها للنظام الغربي والحداثة وهو ما تبنته تحت ضغط الواقع الجماعات الإسلامية السياسية والأحزاب الوطنية والعديد من المفكرين والكتاب، هذه الديموقراطية التي وصف طبيعتها العالم توريه بقوله (أردنا كشعوب دفع المجتمع قدما إلى الأمام من جميع النواحي وتحريره من المطلقات والأديان وأيدولوجيات الدولة)، وبدعوى أشد وأخطر وهي أن الإسلام لم يأت بنظام سياسي واضح المعالم وإنما جاء بمبادئ عامة للحكم وهي شبهة تتعارض تماما مع نصوص القرآن والسنة ونموذج دولة النبوة والخلافة الراشدة والتاريخ السياسي للخلافة بشكل عام .
ومن يدعو الأمة اليوم إلى تبني الديموقراطية الغربية كنظام للحكم لم يعرف طبيعة الثورة العربية، فالثورة هي في حقيقتها حرب تحرر من الاحتلال الغربي الصليبي، والذي لم يخرج منذ دخل اللنبي القدس ودمشق عام 1917م وإلى اليوم، فكيف تخوض الأمة معركة تحرر وتنتصر فيها وهي تتبنى الديموقراطية التي هي النظام السياسي للمحتل نفسه ليتحكم فيها من خلال أحزابه الوظيفية!
إن من أهم الأسس التي تحتاجها الثورة العربية لتحقق أهدافها وتصبح واقعا سياسيا في حياة الأمة هو تمسكها بثوابت تاريخها السياسي والمتمثل في النظام السياسي النبوي الراشدي وتستلهم منه طبيعة الدولة الراشدة التي تعبر عن دينه وهويته وتاريخه، لا الدولة المدنية الديموقراطية التي تمثل إرادة المحتل ولا تمت لدين الأمة وتاريخها بصلة.
إن تبني ديموقراطية المحتل الغربي كشكل للنظام السياسي من أخطر أدوات التبعية ولو تحررت الأمة سيبقى تحررها صوريا وستواجه إشكالات كبرى على مستوى النظرية والتطبيق تصل بها في النهاية إلى انحراف الثورة العربية من هدفها في الحرية والاستقلال والاستقرار إلى التبعية والاستبداد كما أوصى بذلك مؤتمر عمداء كليات الحقوق العرب في بغداد عام 1973م حيث أكدوا على أن تطبيق الشريعة هو جزء من تحرر الأمة من التبعية للاستعمار الغربي الذي أقصى الشريعة بعد الاحتلال.
فالإسلام بتراثه السياسي العظيم غني وثري ولن يعجز علماء الأمة ومفكروها عن بلورة مشروع سياسي راشد يعبر عن تشوق الأمة وتطلعها للإسلام كدين ودولة على سنن الرشد والهدى يحكم حياتها ويسوس أمرها بالتوحيد والحرية والشورى والعدل، والأمة اليوم والتي تريد التحرر من المحتل الأمريكي والروسي في ساحات الثورة لن تقبل بديموقراطيته ونظامه السياسي ودساتيره الوضعية في الحكم والسياسة ما بعد الثورة والتحرر، فليس للأمة من طريق إلا ما أمرها به رسولها وإمامها عليه الصلاة والسلام
(عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)
13 شوال 1438ه 7 / 7 / 2017م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: