ما الذي جرى في المائة عام الماضية؟

((لا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُحْرٍ مرتين))

تواجه ثورة الربيع العربي منذ قيامها تداعيا أمميا وتآمرا دوليا تقوده القوى الصليبية، فأمريكا ومنذ أن أعلن بوش حربه الصليبية واحتلاله أفغانستان والعراق وروسيا منذ أن أعلنت حربها المقدسة واحتلالها لسوريا، وهما يقودان التحالفات والانقلابات العسكرية والثورة المضادة في كل ساحات الثورة من اليمن شرقا إلى ليبيا غربا.

والقوى الصليبية في حملاتها هذه تستحضر البعد العقائدي في صراعها التاريخي مع الأمة وخاصة في العالم العربي منذ الصدام الأول بين الأمة والروم في معركة مؤتة عام ٨ للهجرة ليبدأ حينها الصراع التاريخي بين الأمة والغرب الصليبي والذي ما يزال حاضرا في عقلية قادته بأبعاده التاريخية والعقائدية إلى يومنا هذا وإن أخفوه تحت عباءة النظام الدولي ومؤسساته وقوانينه وشرعيته ليقيموا بزعمهم العدل والسلام الدوليين!

وبالرغم من وضوح طبيعة الأبعاد العقائدية والتاريخية لسياسات القوى الغربية الصليبية اتجاه الأمة وبيان القرآن لحقيقتها ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ فإنك تجد ممن يتصدر مشهد الثورة تغيب عنه هذه الحقائق ويتعامل مع هذه القوى الصليبية وكأنها قوى محايدة وضامنه للسلام والحرية كما في مؤتمرات جنيف وموسكو وباريس، حتىبلغ الحال بقوى المقاومة في فلسطين إلى أنها تلتزم في مقاومتها للاحتلال الصهيوني بقواعد النظام الدولي وقواه الكبرى وتعتبرها ضامنة للسلام في فلسطين وهي نفسها التي أقامت الكيان الصهيوني وترعاه وتحميه، لندرك هنا مدى الانحراف الذي بلغته هذه القوى لتتحول من قوى ثورة ومقاومة إلى قوى وظيفية للضبط والسيطرة في كل ساحات الثورة والتي تراجعت فيها الثورة بعد تصدر هذه القوى الوظيفية لمشهدها السياسي والثوري!

لقد كشفت أحداث الثورة العربية عمق أثر ما صنعه المحتل الصليبي في المائة عام الماضية ليس في طبيعة النظام العربي الوظيفي ومؤسساته التي بناها من الألف إلى الياء وإنما دوره أيضا في بناء جماعات وأحزاب ونخب لتتصدر المشهد السياسي الشعبي وتوجهه وفق خطاب ديني وسياسي استمد جذوره من مدارس الاستشراق الصليبي التي خرجت نخب علمية وسياسية تقود الجماعات والأحزاب في العالم العربي(انظر سلسلة تقارير مركز راند الأمريكي).

لقد حصدت القوى الغربية ثمار هذه السياسة التغريبية للنخب والجماعات والأحزاب، فكلما واجهة ثورة في أي بلد تظهر فجأة هذه النخب والجماعات والأحزاب لتقوم بدورها المرسوم لها في الدوائر الغربية والقصور الرئاسية كقوى ضبط وسيطرة لتحتوي الثورة من الداخل ولتبقى الهيمنة الأجنبية تحت مظلة نظام سياسي وظيفي جديد لكنه باسم الثورة هذه المرة، وهذا ما حصل في المائة عام في  كل ساحات الثورات العربية منذ ثورة ١٩١٩ في مصر وثورة العشرين ١٩٢٠ في العراق وثورة ١٩٢٥ في سوريا مرورا بثورات الجزائر وليبيا وتونس واليمن في منتصف القرن العشرين إلى يومنا هذا في عصر ثورة الربيع العربي والتي ظهر فيها جليا استمرار الدور الوظيفي لهذه النخب والجماعات والأحزاب التي تربى رجالها في محاضن النظام العربي ومدارس الاستشراق الصليبية.

إنها أخطر مائة عام مرت على الأمة ففيها اجتاحت العالم العربي والإسلامي برعاية المحتل الصليبي الدعوات القومية والليبرالية والوطنية والشيوعية والإشتراكية، وبعد إنتهاء دورها الوظيفي دفعوا بالراية الوظيفية لجماعات الإسلام السياسي الوظيفي وأحزابه ليحملوها لاحتواء ثورة الربيع العربي واختراق حصونها من الداخل باسم الحرية والديمقراطية كما فعل أسلافهم من القوميين والليبراليين واليساريين من قبل!

بعد ثورة الربيع العربي وأحداثها يجب إعادة النظر من جديد في تاريخ المائة الماضية على الأقل وما الذي صنعه المحتل فيها، فأثرها لا زال حاضرا ويؤثر في الأحداث التي نعيشها اليوم المعاصرة!

فالقوى الغربية الصليبية لها في كل زاوية وركن رجالها من بني جلدتنا ويتكلمون بألستنا لكنهم (دُعَاة على أبواب جهنَّم، مَن أجابَهُم إليها قذَفُوه فيها) يعملون تحت رعاية النظام العربي ويأتمرون بأمره وما فتاوى إغلاق المساجد ووقف الحراك الثوري والشعبي عنا ببعيد!

الاثنين ٢ شوال ١٤٤١ هـ

٢٥ / ٥ / ٢٠٢٠م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: